السؤال:

هل الالتفات من ضمير المخاطب إلى ضمير الغائب في صيغة النكاح خطأ؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: على فرض أن وكيل العروس قد أتى بضمير الغائب فقال: ” زوجته” فمن يعني بهذا الضمير؟ هل كان يقصد أحدا غيرك؟ إنه كان بالطبع يقصدك أنت، وقد رجح شيخ الإسلام ابن تيمية جواز انعقاد النكاح بأي لفظ يؤدي إلى ذلك عرفا أو اتفاقا.

يقول شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية في فتاواه: وأما العقود من المعاملات المالية والنكاحية وغيرها فنذكر فيها قواعد جامعة عظيمة المنفعة ; فإن القول فيها كالقول في العبادات . فمن ذلك ” صفة العقود ” فالفقهاء فيها على ثلاثة أقوال : ( أحدها أن الأصل في العقود أنها لا تصح إلا بالصيغة وهي العبارات التي قد يخصها بعض الفقهاء باسم الإيجاب والقبول سواء في ذلك البيع والإجارة والهبة والنكاح والعتق والوقف وغير ذلك . وهذا ظاهر قول الشافعي وهو قول في مذهب أحمد – يكون تارة رواية منصوصة في بعض المسائل , كالبيع والوقف ويكون تارة رواية مخرجة , كالهبة والإجارة . ثم هؤلاء يقيمون الإشارة مقام العبارة عند العجز عنها كما في إشارة الأخرس ويقيمون أيضا الكتابة في مقام العبارة عند الحاجة ….. لكن الأصل عندهم هو اللفظ ; لأن الأصل في العقود هو التراضي المذكور في قوله : { إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم } وقوله : { فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا } والمعاني التي في النفس لا تنضبط إلا بالألفاظ التي قد جعلت لإبانة ما في القلب إذ الأفعال من المعاطاة ونحوها تحتمل وجوها كثيرة .

القول الثاني: إنها تصح بالأفعال فيما كثر عقده بالأفعال كالمبيعات بالمعاطاة وكالوقف في مثل من بنى مسجدا وأذن للناس في الصلاة فيه أو سبل أرضا للدفن فيها أو بنى مطهرة وسبلها للناس وكبعض أنواع الإجارة : كمن دفع ثوبه إلى غسال أو خياط يعمل بالأجرة أو ركب سفينة ملاح وكالهدية ونحو ذلك فإن هذه العقود لو لم تنعقد بالأفعال الدالة عليها لفسدت أمور الناس .

القول الثالث : إنها تنعقد بكل ما دل على مقصودها من قول أو فعل , فكل ما عده الناس بيعا وإجارة فهو بيع وإجارة ; وإن اختلف اصطلاح الناس في الألفاظ والأفعال انعقد العقد عند كل قوم بما يفهمونه بينهم من الصيغ والأفعال وليس لذلك حد مستمر ; لا في شرع ولا في لغة . بل يتنوع بتنوع اصطلاح الناس كما تتنوع لغاتهم . فإن لفظ البيع والإجارة في لغة العرب ليس هو اللفظ الذي في لغة الفرس أو الروم أو الترك أو البربر أو الحبشة …..

وأما النكاح : فقال هؤلاء كابن حامد والقاضي وأصحابه مثل أبي الخطاب وعامة المتأخرين : إنه لا ينعقد إلا بلفظ الإنكاح والتزويج كما قاله الشافعي بناء على أنه لا ينعقد بالكناية لأن الكناية تفتقر إلى نية والشهادة شرط في صحة النكاح والشهادة على النية غير ممكنة . ومنعوا من انعقاد النكاح بلفظ الهبة أو العطية أو غيرهما من ألفاظ التمليك .

وقال أكثر هؤلاء – كابن حامد والقاضي والمتأخرين – إنه لا ينعقد إلا بلفظ العربية لمن يحسنها فإن لم يقدر على تعلمها انعقد بمعناها الخاص بكل لسان , وإن قدر على تعلمها ففيه وجهان ;  بناء على أنه مختص بهذين اللفظين وأن فيه شوب التعبد . وهذا – مع أنه ليس منصوصا عن أحمد – فهو مخالف لأصوله ولم ينص أحمد على ذلك ولا نقلوا عنه نصا في ذلك وإنما نقلوا قوله في رواية أبي الحارث : إذا وهبت نفسها لرجل فليس بنكاح ; فإن الله تعالى قال : { خالصة لك من دون المؤمنين } وهذا إنما هو نص على منع ما كان من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم وهو النكاح بغير مهر ; بل قد نص أحمد في المشهور عنه على أن النكاح ينعقد بقوله لأمته : أعتقتك وجعلت عتقك صداقك . وبقوله : جعلت عتقك صداقك أو صداقك عتقك ذكر ذلك في غير موضع من جواباته . فاختلف أصحابه فأما أبو عبد الله بن حامد : فطرد قياسه وقال : لا بد مع ذلك من أن يقول : تزوجتها أو نكحتها لأن النكاح لا ينعقد قط بالعربية إلا بهاتين الصيغتين . وأما القاضي أبو يعلى وغيره : فجعلوا هذه الصورة مستثناة من القياس الذي وافقوا عليه ابن حامد وأن ذلك من صور الاستحسان . وذكر ابن عقيل قولا في المذهب : أنه ينعقد بغير لفظ الإنكاح والتزويج ; لنص أحمد بهذا . وهذا أشبه بنصوص أحمد وأصوله .

ومذهب مالك في ذلك شبيه بمذهبه . فإن أصحاب مالك اختلفوا : هل ينعقد بغير لفظ الإنكاح والتزويج ؟ على  قولين . والمنصوص عنه إنما هو منع ما اختص به النبي صلى الله عليه وسلم من هبة البضع بغير مهر . قال ابن القاسم : وإن وهب ابنته وهو يريد إنكاحها فلا أحفظه عن مالك . فهو عندي جائز .

وما ذكره بعض أصحاب مالك وأحمد من أنه لا ينعقد إلا بهذين اللفظين بعيد عن أصولهما ; فإن الحكم مبني على مقدمتين : إحداهما : أن ما سوى ذلك كناية وأن الكناية تفتقر إلى النية , ومذهبهما المشهور : أن دلالة الحال في الكنايات تجعلها صريحة وتقوم مقام إظهار النية ; ولهذا جعلا الكنايات في الطلاق والقذف ونحوهما مع دلالة الحال كالصريح . ومعلوم أن دلالات الأحوال في النكاح معروفة : من اجتماع الناس لذلك والتحدث بما اجتمعوا له فإذا قال بعد ذلك : ملكتكها لك بألف درهم . علم الحاضرون بالاضطرار أن المراد به الإنكاح . وقد شاع هذا اللفظ في عرف الناس حتى سموا عقده : إملاكا وملاكا , ولهذا روى الناس قول النبي صلى الله عليه وسلم لخاطب الواهبة – الذي التمس فلم يجد خاتما من حديد – رووه تارة : ” { أنكحتكها بما معك من القرآن } وتارة : ” ملكتكها ” وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يثبت عنه أنه اقتصر على ” ملكتكها ” ; بل إما أنه قالهما جميعا أو قال أحدهما ; لكن لما كان اللفظان عندهم في مثل هذا الموضع سواء  رووا الحديث تارة هكذا وتارة هكذا .

ثم تعيين اللفظ العربي في مثل هذا في غاية البعد من أصول أحمد ونصوصه وعن أصول الأدلة الشرعية ; إذ النكاح يصح من الكافر والمسلم وهو وإن كان قربة فإنما هو كالعتق والصدقة . ومعلوم أن العتق لا يتعين له لفظ; لا عربي ولا عجمي . وكذلك الصدقة والوقف والهبة لا يتعين لها لفظ عربي بالإجماع ثم العجمي إذا تعلم العربية في الحال قد لا يفهم المقصود من ذلك اللفظ كما يفهمه من اللغة التي اعتادها . نعم لو قيل : تكره العقود بغير العربية لغير حاجة كما يكره سائر أنواع الخطاب بغير العربية لغير حاجة: لكان متوجها كما قد روي عن مالك وأحمد والشافعي ما يدل على كراهة اعتياد المخاطبة بغير العربية لغير حاجة . وقد ذكرنا هذه المسألة في غير هذا الموضع .

والله أعلم .