السؤال:

أرغب في معرفة كيفية صلاة الاستخارة شروطها وطريقتها ؟

الجواب:

بسم الله ، والحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد :-

 

 

إن صلاة الاستخارة في أصلها دعاء، والدعاء له شروط حتى تتحقق إجابته، فليس كل داع يستجاب له، إنما يستجيب الله دعاء من يلتزم أمره ،وينتهي عند نهيه، ويكون قلبه موصولا به، ويكون أهلا لأن يشير الله عليه، فالاستخارة استشارة، وقد تكون إجابة الدعاء في صورة صرف ضرر أكبر لا يعلمه العبد بدلا من إجابة مطلوب العبد نفسه، ولا تنسي أن الشر يكمن في الخير، وأن الخير يكمن في الشر، وأنه عسى أن نكره شيئا وهو خير لنا، وعسى أن نحب ما فيه ضررنا، والله يعلم ، ونحن لا نعلم شيئا.

 

وأما الصفة الشكلية لصلاة الاستخارة فهي سهلة ويسيرة، والأمر لا يرتبط بالشكل كما قلنا، وصلاة الاستخارة ركعتان، ولك أن تقرأ فيهما بما يتيسر لك، ثم تلاوة الدعاء قبل السلام أو بعده.

 

وعليك أن تكوني موصولة بالله دائما… تدعينه في حالات الرخاء والشدة، وعليك أن تستشيري أهل العقل والفضل والحكمة ثم تقومي بصلاة الاستخارة قبل أي قرار ثم بعد ذلك تمضي إلى ما يتيسر ، وما ينشرح له الصدر، فإذا صرفه الله عنك فلا تجزعي، وإذا يسره الله لك فاحمدي الله.

ولم يثبت في السنة حث على تكريرها. وليس مطلوبا منك نوم بعدها ، وليس بالضرورة أن تجدي رؤيا أصلا.

 

يقول الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي من فقهاء سوريا :-

 

لا علاقة لصلاة الاستخارة برؤية المنامات‏.‏ بل هي مجرد صلاة ثم دعاء مأثور عن رسول الله‏.‏ وليتابع بعد ذلك العمل على مشروعه الذي استخار الله له‏.‏ فإن كان خيراً يسّر الله له بلوغه‏،‏ وإن لم يكن خيراً صرفه الله عنه‏.‏

 

جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية :-

ينبغي أن يكون المستخير خالي الذهن , غير عازم على أمر معين , فقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث : ” إذا هم ” يشير إلى أن الاستخارة تكون عند أول ما يرد على القلب , فيظهر له ببركة الصلاة والدعاء ما هو الخير , بخلاف ما إذا تمكن الأمر عنده , وقويت فيه عزيمته وإرادته , فإنه يصير إليه ميل وحب , فيخشى أن يخفى عنه الرشاد ; لغلبة ميله إلى ما عزم عليه .

 

ويحتمل أن يكون المراد بالهم العزيمة ; لأن الخاطر لا يثبت فلا يستمر إلا على ما يقصد التصميم على فعله من غير ميل . وإلا لو استخار في كل خاطر لاستخار فيما لا يعبأ به , فتضيع عليه أوقاته . ووقع في حديث أبي سعيد { إذا أراد أحدكم أمرا فليقل }

‏.‏

– اتفق فقهاء المذاهب الأربعة على أن علامات القبول في الاستخارة انشراح الصدر ، وشرح الصدر : عبارة عن ميل الإنسان وحبه للشيء من غير هوى للنفس , أو ميل مصحوب بغرض , على ما قرره العدوي .

– قال الزملكاني من الشافعية : لا يشترط شرح الصدر . فإذا استخار الإنسان ربه في شيء فليفعل ما بدا له , سواء انشرح له صدره أم لا , فإن فيه الخير , وليس في الحديث انشراح الصدر .

 

وأما علامات عدم القبول فهي : أن يصرف الإنسان عن الشيء , لنص الحديث , ولم يخالف في هذا أحد من العلماء , وعلامات الصرف : ألا يبقى قلبه بعد صرف الأمر عنه معلقا به , وهذا هو الذي نص عليه الحديث : { فاصرفه عني واصرفني عنه , واقدر لي الخير حيث كان , ثم رضني به } . انتهى.

 

ويقول الشيخ عطية صقر من كبار علماء الأزهر :-

صلاة الاستخارة ركعتان، والدُّعاء الذي يقال بعدها جاء في الحديث الذي رواه البخاري عن جابر ـ رضي الله عنه ـ قال: كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يُعلِّمنا الاستخارة في الأمور كلِّها كالسورة من القرآن يقول: “إذا همَّ أحدكم بالأمر، فليركعْ ركعتين من غير الفَريضة ثم ليقل: اللهم إني أستخيرُك بعلمك، وأستقدِرك بقُدرتِك، وأسألك من فضلِك العظيم، إنّك تقدِر ولا أقدِر، وتعلَم ولا أعلم، وأنت عَلّام الغُيوب.اللّهم إن كنتَ تعلم أن هذا الأمرَ خيرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقِبة أمري ـ أو قال عاجِل أمري وآجِله ـ فاقدِره لي ويسِّره لي، ثم بارِكْ لي فيه، وإن كنتَ تعلَم أن هذا الأمر شرٌّ لي في ديني ومعاشي وعاقِبةِ أمري ـ أو قال عاجِل أمري وآجِله ـ فاصرِفْه عنى واصرِفني عنه، واقدِر لي الخيرَ حيث كان، ثم رضِّني به” قال ويُسمِّي حاجتَه: يعني يقول بدل عِبارة ـ أن هذا الأمر ـ يُعيِّن هذا الأمر مثل السّفر، أو الزّواج ونحو ذلك.

وسيُحِسُّ بأمور وعَلاقات يدرك بها النتيجة، إما أن يكون ذلك بعد الانتهاء من الصّلاة، والدعاء في حال اليقظة أو برؤيا مناميّة، وربما تتأخّر العلامات بعض الوقت، فإن لم يرَ شيئًا من ذلك يكرِّر الصلاة ويُحاول أن يؤدِّيَها تامّة وبخشوع، وكذلك الدُّعاء، يكون بتضرُّع وحضور ذِهن، فقَبول الصّلاة والدُّعاء وترتُّب آثارهما مُرتبط بذلك. قال تعالى بعد ذكر أيُّوب وذي النّون وزكريا ودعائِهم الذي استجاب الله لهم: (إنَّهُمْ كَانُوا يُسارِعونَ فِي الخَيْرَات ويَدْعونَنَا رَغَبًا ورَهَبًا وكَانُوا لَنَا خَاشِعِين) (سورة الأنبياء : 90) والمُسارَعة في الخَيرات تستلزِم الطّاعة والحِرص عليها والتّسابق إليها، والبعد عن كل ما حرَّم الله، وبالتالي لا تُقبَل صلاةُ الاستخارة ولا دعاؤها من المُقصِّر في حقِّ الله، ولا يَعرفه إلا عندما يَحتاج إليه ليعرِّفَه المشروعَ الذي يُقدِم عليه إن كان خيراً أو شرًّا، ومن المقرّر أن اللُّقمة من الحرام في بطن الإنسان تمنَع قبول الدُّعاء، كما صحّ في حديث رواه مسلم.

هذا، وصلاة الاستخارة تُؤدَّى في غير الأوقات التي تُكره فيها الصّلاة، وأنسب الأوقات لها بعد منتصف الليل، فالدُّعاء يكون أقربَ إلى الإجابة.ويُسنُّ أنْ يَبدأه بحمدِ الله والصلاة والسلام على رسول الله، ويختِمه بالصّلاة على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا تتعيّن قراءة بعد الفاتحة، مع مراعاة أن الاستخارة لا تكون إلا في الأمور المُباحة، أمّا الواجبات والمَندوبات فلا استخارة في عملِهما، وكذلك المُحرّمات والمكروهات؛ لأنّ المطلوب تركُها، ومع مراعاة أن قلب الإنسان إذا مال إلى فِعل الشيء أو الانصراف عنه قبل صلاة الاستخارة، فلا معنى لهذه الصّلاة، بل ينبغي تركُ الاختيار لله ـ سبحانه ـ ويصلِّي مِن أجل ذلك.

وهذه الصّلاة تُغنينا عما يتورّط فيه بعض الناس من قراءة الكفِّ وضَرب الرّمل والوسائل الأخرى التي حذَّر الإسلامُ منها ، أو لم يَشْرَعْها، فالعلم الحقيقيُّ عند الله ـ سبحانه ـ والدعاء مع العبادات خير وسيلة لمُساعدة الإنسان على ما يريد.

مع مراعاة أن الدُّعاء الذي تسبِقه الصلاة قد يُستجاب وقد يرِد، والمَدار هو على إتقان الصلاة والدُّعاء مع توافُر عامل الخشوع والرَّهبة والرَّغبة، ومع كون العبد مُطيعًا لله قريبًا منه بعيدًا عن المعاصي وبخاصة أكلُ الحرام الذي يحول دون قَبول الدعاء، ولا يلزم أن يرى الإنسان بعدها رؤيا مناسِبة، فقد يحصُل القَبول أو النُّفور بدونِها.

 

وقضاء الحاجة وبخاصة حاجة الدُّنيا له وسيلتان:

 

الأولى طاعة الله بفعل ما أمر به وترك ما نهى عنه، فهي في حدِّ ذاتها إن قُبِلَتْ قضى الله بها ما يتمناه المؤمن من خير، قال تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا . وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبْ وَمَنْ يَتوَكَّل عَلَى اللهِ فهو حَسْبُه) (سورة الطلاق: 2،3) وقال: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيينَّه حياةً طيبةً) (سورة النحل: 97) وقال: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّماءِ وَالأرْضِ) (سورة الأعراف: 96)

وفي الحديث: “ومن يَسَّر على مُعْسِرٍ يَسَّرَ الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما دام العبد في عَوْنِ أخيه” رواه مسلم إلى غير ذلك من النصوص.

والوسيلة الثانية هي الدعاء بشروطه وآدابه التي من أهمها الخشوع والإخلاص والبُعد عن الحرام، قال تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) (سورة غافر: 60)

وقال (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَني فِإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَة َالدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) (سورة البقرة : 156) وفي الحديث القدسي “يا عبادي كلُّكم جائع إلا من أطعمتُه فاستطعموني أُطْعِمْكُمْ، يا عبادي كلُّكم عارٍ إلا من كَسَوْته فاستكسوني أكْسكم..” رواه مسلم.

وهناك حديث الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة وهم في الغار، فدعوا ربهم بصالح أعمالهم فنجَّاهم الله، وهاتان الوسيلتان مؤكدتان لا خلاف فيهما.

 

والدُّعاء لا بد أن يكون بتضرُّع وحضور ذِهن، فقَبول الصّلاة والدُّعاء وترتُّب آثارهما مُرتبط بذلك. قال تعالى بعد ذكر أيُّوب وذي النّون وزكريا ودعائِهم الذي استجاب الله لهم: (إنَّهُمْ كَانُوا يُسارِعونَ فِي الخَيْرَات ويَدْعونَنَا رَغَبًا ورَهَبًا وكَانُوا لَنَا خَاشِعِين) (سورة الأنبياء : 90)

 

والمُسارَعة في الخَيرات تستلزِم الطّاعة والحِرص عليها والتّسابق إليها، والبعد عن كل ما حرَّم الله، وبالتالي لا تُقبَل صلاةُ الاستخارة ولا دعاؤها من المُقصِّر في حقِّ الله، ولا يَعرفه إلا عندما يَحتاج إليه ليعرِّفَه المشروعَ الذي يُقدِم عليه إن كان خيراً أو شرًّا، ومن المقرّر أن اللُّقمة من الحرام في بطن الإنسان تمنَع قبول الدُّعاء، كما صحّ في حديث رواه مسلم.

وقد روى أحمد بسند صحيح أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: “من توضأ فأسْبَغَ الوضوء ثم صلَّى ركعتين يُتمهما أعطاه الله ما سأل مُعْجِلاً أو مُؤخرًا”

والناظر في هذا الحديث يرى أن قضاء الحاجة وسيلته: عمل صالح وهو صلاة الركعتين ـ وكذلك الدعاء والسؤال، وأن قضاء الحاجة قد يكون مُعجلاً وقد يكون مُؤخرًا، فينبغي عدم التعجُّل ، ففي الحديث “يُستجاب لأحدكم ما لم يُعجل” رواه أحمد وأبو داود والترمذي.

وقد يصرف الله بالدعاء من السوء ما يكون خيرًا من الشيء الذي دعا به الداعي، كما رُوي في الحديث.

 

والله أعلم .

 

حرر هذه الفتوى حامد العطار عضو لجنة تحرير الفتوى بالموقع.