السؤال:

ما حكم طلاق الغضبان عند المضيقين والموسعين؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد :

اختلف الفقهاء قديما وحديثا حول مفهوم الغضب الذي لا يقع معه الطلاق بين التضييق والسعة، فالغضب المعتبر هو الذي يفقد الإنسان اتزانه في الكلام والتصرف، بحيث يقول ويفعل ما ليس من شأنه ولا من عادته في حال الهدوء والرضا، ومن علاماته أن يندم المرء بعد التلفظ بكلمة الطلاق، أما زواج التحليل فزواج محرم باتفاق الفقهاء.

يقول فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي :

أما زواج “المحلل” الذي ذكره من ذكره للأخ السائل فهو حرام، ولا يجوز فعله، فقد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال : “لعن الله المحلل والمحلل له”. (قال الترمذي : حديث صحيح) وفي حديث آخر أنه سماه “التيس المستعار”.
وقد اتفق على تحريمه أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- وتابعوهم بإحسان. صح ذلك عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وغيرهم، حتى قال عمر : لا أوتي بمحلل ولا محلل له إلا رجمتهما!

وقال عثمان، لا نكاح إلا نكاح رغبة، لا نكاح دلسة.
وقال ابن عباس : لا يزالان زانيين وإن مكثا عشرين سنة، إذا علم الله من قبله أنه يريد أن يحلها له.
وقال بعضهم : كنا نعدها على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سفاحًا. ومن هنا لا يجوز لمسلم أن يلجأ إلى هذا الاحتيال الباطل على شرع الله ليحل ما حرم الله.

وأما الطلاق في حالة الغضب، فقد اختلف الفقهاء في حكمه، وفقًا لاتجاهاتهم في التوسيع أو التضييق في إيقاع الطلاق.
وإذا كان الأمر خلافيًا وجب علينا أن ننظر في أدلة الفريقين، لنختار أرجحها وأقربها إلى تحقيق مقاصد الشريعة.
وقبل أن نبين الرأي المختار في طلاق الغضبان، يلزمنا أن نبين الغضب المختلف فيه بين المضيقين والموسعين.

يقول العلامة ابن القيم :

الغضب ثلاثة أقسام :
أحدهما : أن يحصل للإنسان مبادئه وأوائله، بحيث لا يتغير عليه عقله ولا ذهنه، ويعلم ما يقول ويقصده. فهذا لا إشكال في وقوع طلاقه وعتقه وصحة عقوده، ولا سيما إذا وقع منه ذلك بعد تردد فكره.

القسم الثاني : أن يبلغ الغضب نهايته، بحيث ينغلق عليه باب العلم والإرادة فلا يعلم ما يقول، ولا يريده. فهذا لا يتوجه خلاف في عدم وقوع طلاقه، كما تقدم.

والغضب غول العقل، فإذا اغتال الغضب عقله، حتى لم يعلم ما يقول، فلا ريب أنه لا ينفذ شيئًا من أقواله في هذه الحالة، فإن أقوال المكلف إنما تنفذ مع علم القائل بصدورها منه، ومعناها، وإرادته للتكلم بها.

فالأول : يخرج النائم والمجنون والمبرسم والسكران، وهذا الغضبان.
والثاني : يخرج من تكلم باللفظ وهو لا يعلم معناه البتة، فإنه لا يلزم مقتضاه.
والثالث : يخرج من تكلم به مكرهًا، وإن كان عالمًا بمعناه.

القسم الثالث : من توسط في الغضب بين المرتبتين، فتعدى مبادئه ولم ينته إلى آخره بحيث صار كالمجنون، فهذا موضع الخلاف ومحل النظر.

والأدلة الشرعية تدل على عدم نفوذ طلاقه وعتقه وعقوده، التي يعتبر فيها الاختيار والرضا، وهو فرع من “الإغلاق” كما فسره به الأئمة. (إغاثة اللهفان ص 14).
1 – فالمضيقون في إيقاع الطلاق -ومنه طلاق الغضبان- يستندون إلى عدة أدلة.
(أ) ما روته عائشة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- : “لا طلاق ولا عتاق في إغلاق”. (رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة والحاكم وصححه على شرط مسلم.)

وقد أخرجه الحاكم من طريقين عن عائشة وقال : صحيح على شرط مسلم. ورده الذهبي بأن فيه من إحدى طريقيه : محمد بن عبيد بن أبي صالح لم يحتج به مسلم، وضعفه أبو حاتم : ومن الأخرى نعيم بن حماد، صاحب مناكير. ا هـ.
أقول : أما محمد بن عبيد فقد ذكره ابن حبان في الثقات كما في التهذيب، فليس مجمعًا على تضعيفه، وبخاصة أن أبا حاتم لم يبين سبب ضعفه.

وأما نعيم بن حماد الخزاعي فقد أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة، وهو من الرجال الذين انتقدوا على البخاري، وقال الحافظ في مقدمة الفتح عنه : “مشهور من الحفاظ الكبار، لقيه البخاري، ولكنه لم يخرج عنه في الصحيح سوى موضع أو موضعين، وعلق له أشياء أخر.

وروى له مسلم في المقدمة موضعًا واحدًا، وأصحاب السنن إلا النسائي.

وكان أحمد يوثقه، وقال ابن معين : كان من أهل الصدق إلا أنه يتوهم الشيء فيخطيء فيه. وقال العجلي : ثقة. وقال أبو حاتم : صدوق. وقال النسائي : ضعيف ونسبه أبو بشر الدولابي إلى الوضع. وتعقب ذلك ابن عدي بأن الدولابي كان متعصبًا عليه، لأنه كان شديدًا على أهل الرأي، وهذا هو الصواب.” (ا هـ من هدى الساري جـ 2، ص 217.)

وأخرجه البيهقي في السنن (جـ 7: 357) من طريق ثالثة عن عائشة، على خلاف ما ذكر ابن حجر في التلخيص.

وبهذا يظهر أن الحديث بطرقه لا ينزل عن درجة الصحة التي ادعاها الحاكم، وأقره عليها ابن القيم وغيره، فإن نزل عنها فليس إلى أقل من درجة الحسن المحتج به، وقد سكت عليه أبو داود، واحتج به البيهقي لمذهب الشافعي : أن طلاق المكره لا يقع على أساس تفسير الإغلاق بالإكراه وهو لا ينافي تفسيره بالغضب. رواية أبي داود “في غلاق”، قال : أظنه الغضب.

وقال حنبل : سمعت أبا عبد الله -يعني أحمد بن حنبل- يقول : هو الغضب. وقال بعض أهل اللغة : الإغلاق وجهان، أحدهما، الإكراه، والآخر : ما دخل عليه مما ينغلق به رأيه عليه.
وهذا مقتضى تبويب البخاري فإنه قال في صحيحه: باب الطلاق في الإغلاق (الغضب) والكره (أي الإكراه)، والسكران والمجنون، ففرق بين الطلاق في الإغلاق وبين هذه الوجوه، مما يشير إلى أن الإغلاق عنده يعني الغضب.
قال الإمام ابن القيم: وهو قول غير واحد من أئمة اللغة.

(ب) قال الله تعالى : (لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ). [البقرة: 225].
روى ابن جرير الطبري عن ابن عباس قال عن أجل أصحاب ابن عباس وهو طاووس قوله : “كل يمين حلف عليها رجل وهو غضبان فلا كفارة عليه”. واستدل بالآية.
قال ابن القيم :
وهذا أحد الأقوال في مذهب مالك : أن لغو اليمين في الغضب، وهذا اختيار أجل المالكية وأفضلهم على الإطلاق، وهو القاضي إسماعيل بن إسحاق. فإنه ذهب إلى أن الغضبان لا تنعقد يمينه. ا هـ.

(جـ) ما حكاه القرآن من قصة موسى، لما رجع إلى قومه عضبان أسفًا، (وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ) [سورة الأعراف: 150].
ووجه الاستدلال بالآية : أن موسى لم يكن ليلقى إلى الأرض ألواحًا كتبها الله كما أنه قسا على أخيه وهو نبي رسول مثله، وإنما حمله على ذلك الغضب، فعذره الله تعالى به، ولم يعتب عليه بما فعل، إذ كان مصدره الغضب الخارج عن سلطان قدرته واختياره.

(د) يوضح ذلك الآية الكريمة الأخرى في نفس السورة (وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ) [الأعراف: 154]. فعبر بـ”سكت” تنزيلاً للغضب منزلة السلطان الآمر الناهي، الذي يقول لصاحبه : افعل أو لا تفعل، فهو مستجيب لداعي الغضب المسلط عليه، فهو أولى بأن يعذر من المكره.

(هـ) قال تعالى : (وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ) [يونس : 11]. جاء عن مجاهد في تفسير الآية : هو قول الإنسان لولده وماله إذا غضب عليهم : “اللهم لا تبارك فيه والعنه” فلو يعجل لهم الاستجابة في ذلك، كما يستجاب في الخير لأهلكهم. قال ابن القيم : فانتهض الغضب مانعًا من انعقاد سبب الدعاء، الذي تأثيره في الإجابة أسرع من تأثير الأسباب في أحكامها، لأن الغضبان لم يقصده بقلبه.

(و) إن الغضب يحول بين الإنسان وبين سلامة التفكير، وصحة الإدراك ويشوش عليه معرفة الأمور، وحكمه على الأشياء، ولهذا جاء في الحديث الصحيح “لا يقضي القاضي وهو غضبان”. والطلاق حكم من الرجل يصدره على المرأة فلا يجوز أن يصدر منه وهو غضبان وإذا صدر ينبغي أن يلغي اعتباره حماية للمرأة وللأسرة.

(ز) إن معظم الأدلة التي اعتمدنا عليها في عدم إيقاع طلاق السكران، تنطبق على حالة الغضبان، بل قد يكون الأخير أسوأ حالاً من الأول، لأن السكران لا يقتل نفسه، ولا يلقي ولده من علو، والغضبان قد يفعل ذلك.

إن قاعدة الشريعة : أن العوارض النفسية لها تأثير في القول إهدارًا واعتبارًا وإعمالاً وإلغاء. وهذا كعارض النسيان والخطأ والإكراه والسكر والجنون والخوف والحزن والغفلة والذهول. ولهذا يحتمل من الواحد من هؤلاء من القول ما لا يحتمل من غيره، ويعذر بما لا يعذر به غيره، لعدم تجرد القصد والإرادة، ووجود الحامل على القول.
ولهذا كان الصحابة يسأل أحدهم الناذر : أفي رضا قلت أم غضب؟ فإن كان في غضب، أمره بكفارة يمين، لأنهم استدلوا بالغضب على أن مقصوده الحض والمنع كالحلف، لا التقرب.. وجعل الله سبحانه الغضب مانعًا من إصابة الداعي على نفسه وأهله.. وجعل سبحانه الإكراه مانعًا من كفر المتكلم بكلمة الكفر.. وجعل الخطأ والنسيان مانعًا من المؤاخذة بالقول والفعل.

وعارض الغضب قد يكون أقوى من هذه العوارض، فإذا كان الواحد من هؤلاء لا يترتب على كلامه مقتضاه لعدم القصد، فالغضبان الذي لم يقصد ذلك إن لم يكن أولى بالعذر منهم، لم يكن دونهم.
وإذا كنا قد رجحنا عدم وقوع الطلاق في حالة الغضب، لما ذكرنا من الشواهد والأدلة، فمن الواجب أن نعرف المقياس الذي نحدد به حالة الغضب التي لا يقع فيها الطلاق، من الحالات الأخرى. لأن ترك مثل هذا الأمر بلا ضوابط يؤدي إلى البلبلة والاضطراب.
وقد رأينا الإمام ابن القيم -ومن قبله شيخ الإسلام ابن تيمية- يميلان إلى جعل المقياس هو انعدام القصد والعلم. فمن فقد قصده إلى الطلاق وعلمه بما يقول فهو في حالة الإغلاق الذي لا يقع به الطلاق.

ولكن علامة الحنفية الشيخ ابن عابدين في حاشيته المشهورة على “الدر المختار” بعد أن نقل كلام ابن القيم في تقسيم أحوال الغضب إلى ثلاثة، كما ذكره في رسالته في حكم طلاق الغضبان، ملخصًا من شرح الغاية في الفقه الحنبلي، “استظهر أنه لا يلزم في عدم وقوع طلاق الغضبان -وكذا المدهوش ونحوهما- أن يكون بحيث لا يعلم ما يقوله، بل يكتفي بغلبة الهذيان، وغلبة الخلل في أقواله وأفعاله الخارجة عن عادته، واختلاط جده بهزله، فهذا هو مناط الحكم، الذي ينبغي التعويل عليه.

فمادام في حال غلبة الخلل في الأقوال والأفعال، لا تعتبر أقواله، وإن كان يعلمها ويريدها، لأن هذه المعرفة والإرادة غير معتبرة لعدم حصولها عن إدراك صحيح . كما لا يعتبر من الصبي العاقل”. (حاشية ابن عابدين، جـ 2، ص 587، ص. استانبول). ا هـ.
وعندي أن ما ذكره ابن عابدين مقياس دقيق وضابط سليم. فالغضب المعتبر هو الذي يفقد الإنسان اتزانه في الكلام والتصرف، بحيث يقول ويفعل ما ليس من شأنه ولا من عادته في حال الهدوء والرضا.
ولنا أن نضيف علامة أخرى، نميز بها الغضب المستحكم من غيره، وقد نبه عليها ابن القيم في “الزاد” وهي أن يندم على ما فرط منه إذا زال الغضب، فندمه بمجرد زوال الغضب يدل على أنه لم يكن يقصد إلى الطلاق.&l
والله أعلم.

فتاوى ذات صلة :
علاج الغضب
وسائل معينة لعلاج الغضب
طلاق الغضبان والبينونة الكبرى
طلاق الغضبان