السؤال:

ما قولكم فيما فعله بعض المزارعين من إتلاف كميات من المنتجات الزراعية من الفواكه والخضروات احتجاجاً على ما يقوم به الجنود الصهاينة من إغلاق المعابر أمامهم حيث يقوم المزارعون والتجار بإلقاء الفواكه والخضروات في الشوارع ورميها؟

الجواب:

بسم الله ، والحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد..

فحفظ المال هو أحد الضرورات الخمس التي جاءت الشريعة للمحافظة عليها ، وقد جاءت أدلة كثيرة من كتاب الله تعالى ومن سنة نبيه صلى الله عليه وسلم تدل على وجوب المحافظة على المال وتنهى عن إفساده ، لذلك فإغلاق المعابر في وجه المزارعين والتجار لا تبرر إتلاف الطعام ، ولكن إذا تعذر عليهم تصديرها فأولى أن تباع في السوق المحلي ولو بأسعار رمزية أو يُتصدق بها على  الفقراء والمحتاجين وأضعف الإيمان أن تترك لتأكل منها الطيور والحيوانات.

يقول فضيلة الدكتور حسام عفانه -أستاذ الفقه وأصوله بجامعة القدس بفلسطين-:

الجواب: ينبغي أن يعلم أولاً أن من مقاصد الشريعة الغراء حفظ المال حيث إن المال هو أحد الضروريات الخمس التي جاءت الشريعة بالمحافظة عليها.

قال أبو حامد الغزالي: [ومقصود الشرع من الخلق خمسة: وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم؛ فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة، ودفعها مصلحة… وهذه الأصول الخمسة حفظها واقع في رتبة الضرورات، فهي أقوى المراتب في المصالح] المستصفى من علم الأصول 1/417.

وقال الإمام الشاطبي: [تكاليف الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق، وهذه المقاصد لا تعدو ثلاثة أقسام:
أحدها: أن تكون ضرورية.

والثاني: أن تكون حاجية.

والثالث: أن تكون تحسينية.

فأما الضرورية:فمعناها أنها لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج وفوت حياة، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم والرجوع بالخسران المبين… ومجموع الضروريات خمس وهي: حفظ الدين والنفس والنسل والمال والعقل وقد قالوا إنها مراعاة في كل ملة] الموافقات 2/8-10.

وقد جاءت أدلة كثيرة من كتاب الله تعالى ومن سنة نبيه صلى الله عليه وسلم تدل على وجوب المحافظة على المال منها:

قوله تعالى:{ وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيراً إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفوراً}سورة الإسراء الآيتان26-27.

وقوله تعالى:{ والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً } سورة الفرقان الآية 67.

وقوله تعالى: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط} سورة الأنعام الآية 152.

وقوله تعالى: {آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير} سورة الحديد الآية 7.

وقوله تعالى: {يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} سورة الأعراف الآية31.

وقوله تعالى: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً } سورة الإسراء الآية 29.

وقوله تعالى: { ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولاً معروفاً} سورة النساء الآية 5.

وثبت في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله يرضى لكم ثلاثاً ويكره لكم ثلاثاً: فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم، ويكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال ) رواه مسلم.
قال الإمام النووي:[قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله يرضى لكم ثلاثاً… قال العلماء: الرضا والسخط والكراهة من الله تعالى المراد بها أمره ونهيه, وثوابه وعقابه, أو إرادته الثواب لبعض العباد, والعقاب لبعضهم, وأما الاعتصام بحبل الله فهو التمسك بعهده, وهو إتباع كتابه العزيز وحدوده, والتأدب بأدبه… وأما ( إضاعة المال ): فهو صرفه في غير وجوهه الشرعية, وتعريضه للتلف, وسبب النهي أنه إفساد, والله لا يحب المفسدين, ولأنه إذا أضاع ماله تعرض لما في أيدي الناس.] شرح النووي على صحيح مسلم 4/375-377.

وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في معنى قوله صلى الله عليه وسلم: ( إضاعة المال ) [… والأقوى أنه ما أنفق في غير وجهه المأذون فيه شرعاً سواء كانت دينية أو دنيوية فمنع منه, لأن الله تعالى جعل المال قياماً لمصالح العباد, وفي تبذيره تفويت تلك المصالح, إما في حق مضيعها وإما في حق غيره] فتح الباري 10/501.

إذا تقرر أن من مقاصد الشارع الحكيم حفظ المال فأعود إلى السؤال فأقول:

إن إتلاف المنتجات الزراعية ورميها في الشوارع يتناقض مع ما قصده الشارع الحكيم من حفظ المال وكذلك ما ورد من النهي عن إضاعة المال، وهذا العمل يعتبر من السفه، والسفه عند الفقهاء هو التصرف في المال على خلاف مقتضى الشرع والعقل، والشرع لا يقر إتلاف المال بهذه الطريقة وكذا العقل،ويعتبر هذا العمل من الإسراف والتبذير المحرمان شرعاً .

والواجب هو أن يستفيد المزارعون من هذه المنتجات فإن تعذر عليهم تصديرها فليبيعوها في السوق المحلي ولو بأسعار منخفضة، فإن لم يتيسر لهم ذلك فليتصدقوا بها على الفقراء والمساكين، أو يعطوها للجمعيات الخيرية التي ترعى الأيتام والعجزة وغيرهم، وإن تعذر ذلك وما أظنه يتعذر، فليطعموها للحيوانات فلهم الأجر والثواب في كل ذلك، فقد ورد في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (بينا رجل يمشي فاشتد عليه العطش فنزل بئراً فشرب منها ثم خرج فإذا هو بكلب يلهث يأكل الثرى من العطش فقال لقد بلغ هذا مثل الذي بلغ بي فملأ خفه ثم أمسكه بفيه ثم رقي فسقى الكلب فشكر الله له فغفر له، قالوا: يا رسول الله وإن لنا في البهائم أجراً قال صلى الله عليه وسلم: في كل كبدٍ رطبةٍ أجرٌ) رواه البخاري ومسلم.

قال الإمام النووي:[ قوله صلى الله عليه وسلم: ( في كل كبد رطبة أجر ) معناه في الإحسان إلى كل حيوان حي بسقيه ونحوه أجر, وسمي الحي ذا كبد رطبة, لأن الميت يجف جسمه وكبده. ] شرح النووي على صحيح مسلم 5/401.
والواجب يقضي بمنع هؤلاء المزارعين من إتلاف المنتجات الزراعية لما فيه من أضرار بالمصالح العامة ولو كانوا يتلفون أموالهم الخاصة.

قال الإمام قال الإمام النسائي في سننه [باب منع الحاكم رعيته من إتلاف أموالهم وبهم حاجة إليها] ثم ساق حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال:( أعتق رجل من الأنصار غلاماً له عن دبرٍ وكان محتاجاً وكان عليه دين فباعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بثمان مائة درهم فأعطاه فقال اقض دينك وأنفق على عيالك ] وهو حديث صحيح.

وخلاصة الأمر:أنه يحرم شرعاً إتلاف المنتجات الغذائية والزراعية بالصورة المذكورة في السؤال وغيرها ما دام أنه يمكن انتفاع الناس بها فإن لم ينتفع بها الناس بشكل من الأشكال أطعمت للحيوانات.

والله أعلم.