السؤال:

ما حكم أداء الحج أو الصلاة نيابة عن الميت ؟

الجواب:

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد..

فإن الميت المسلم البالغ العاقل إن لم يتمكن من أداء حجة الإسلام لفقد شروط الاستطاعة ، فإن الحج لم يجب عليه، ولا يلزم أحداً أن يحج عنه – ولو كان من ورثته – لا من ماله ولا من مال غيره إلا أن يحج عنه تطوعاً، فيجوز ذلك على الراجح من أقوال أهل العلم.

وإن كان الميت قد استقر وجوب الحج عليه ولم يحج، فقد اختلف أهل العلم في وجوب الحج عنه، فقال أبو حنيفة ومالك: لا يحج عنه إلا إذا أوصى به، ويكون تطوعاً.

وقال الشافعي وأحمد: يجب الإحجاج عنه من تركته، سواء فاته الحج بتفريط أو بغير تفريط، وسواء أوصى به أم لا.

وهذا المذهب الأخير هو الراجح إن شاء الله، لما رواه البخاري وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها ؟ قال : “نعم حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء”.

ولأن الحج حق استقر وجوبه عليه وتدخله النيابة ، فلم يسقط بالموت كالدين ، ويكون ما يحج به من جميع ماله لأنه دين مستقر، فكان من جميع المال كدين الآدمي .

فإن لم تكن له تركة بقي الحج في ذمته، ولا يلزم ورثته الحج عنه، لكن يستحب لهم ذلك ، فإن حج عنه الوارث بنفسه ، أو استأجر من يحج عنه ، أو حج عنه أجنبي ولو بدون إذن الوارث سقط عنه الفرض .

الصلاة عن الميت:

أما الصلاة عن الميت فإذا كان قد ترك الفريضة تكاسلا فلا تجزئ الصلاة عنه وعليكم أن تكثروا من الدعاء له والصدقة عنه..

وتفصيل القول في المسألة على النحو التالي:

فالأصل أن لا يصلي أحد عن أحد ، قال القرطبي رحمه الله ( وأجمعوا أنه لا يصلي أحد عن أحد ) انتهى من تفسير القرطبي لقوله تعالى ( وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ) (النجم:39)

وذلك لأن الصلاة من العبادات البدنية المحضة فلا تدخلها النيابة.

وإن كان المراد أن تصلي نافلة ثم تهب ثوابها للميت، فهذا أجازه جماعة من أهل العلم.

قال في متن الإقناع من كتب الحنابلة : وكل قربة فعلها المسلم وجعل ثوابها أو بعضها كالنصف ونحوه، لمسلم حي أو ميت جاز، ونفعه لحصول الثواب له… من تطوع وواجب، تدخله النيابة كحج ونحوه، أو لا ( أي لا تدخله النيابة) كصلاة وكدعاء واستغفار وصدقة وأضحية وأداء دين وصوم وقراءة وغيرها .

وقال في شرحه كشاف القناع : وقول المصنف: أو لا ، كصلاة : هو معنى قول القاضي : إذا صلى فرضاً وأهدى ثوابه صحت الهدية وأجزأ ما عليه ، قال في المبدع: وفيه بُعد اهـ.

والأشهر عند الحنابلة أنه لا يصح هبة ثواب الفرض ، قال في شرح منتهى الإرادات : ولو صلى فرضاً وأهدى ثوابه لميت لم يصح في الأشهر ، وقال القاضي: يصح. وبعد..

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بالصدقة على الميت، وأمر أن يصام عنه الصوم، فالصدقة عن الموتى من الأعمال الصالحة، وكذلك ما جاءت به السنة في الصوم عنهم. وبهذا وغيره احتج من قال من العلماء: إنه يجوز إهداء ثواب العبادات المالية والبدنية إلى موتى المسلمين. كما هو مذهب أحمد وأبي حنيفة، وطائفة من أصحاب مالك والشافعي.

فإذا أهدي لميت ثواب صيام أو صلاة أو قراءة جاز ذلك وأكثر أصحاب مالك والشافعي يقولون: إنما شرع ذلك في العبادات المالية.

ومع هذا لم يكن من عادة السلف إذا صلوا تطوعاً وصاموا وحجوا أو قرأوا القرآن، يهدون ثواب ذلك لموتاهم المسلمين، ولا بخصوصهم، بل كان عادتهم كما تقدم- أي فعل العبادة لأنفسهم مع الدعاء والصدقة للميت- فلا ينبغي للناس أن يبدلوا طريق السلف، فإنه أفضل وأكمل . انتهى من الفتاوى الكبرى ج 3 ص 37.

ولهذا فالأفضل والأكمل أن يقتصر المسلم على ما وردت به السنة كالدعاء للميت والصدقة، والصيام عنه إذا كان عليه صوم واجب، وكذلك الحج عنه إذا كان عليه حج واجب، لأدلة كثيرة منها:

قوله صلى الله عليه وسلم “إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو ولد صالح يدعو له، أو علم ينتفع به” رواه مسلم.

وعند النسائي: أن سعداً سأل النبي صلى الله عليه وسلم: “إن أمي ماتت ولم توص، أفأتصدق عنها؟ قال: نعم”.

وعند النسائي أيضاً: “إن أمي ماتت وعليها نذر، أفيجزئ عنها أن أعتق عنها؟ قال: نعم”.

وفي صحيح البخاري ومسلم: أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: “يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟ قال: نعم، فدين الله أحق أن يقضى”.

وعند الترمذي وأبي داود، وأحمد أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: إن أمي ماتت ولم تحج، أفأحج عنها؟ قال: نعم، حجي عنها”. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
والله أعلم.