السؤال:

أيها الفاضل! لو أصلي صلاة في مسجد بجانبه قبر، وبه أناس يأتون بأفعال وأعمال لم تعترف بها شريعة الإسلام، فهل تصح صلاتي فيه أم لا؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد،
فالصلاة في المسجد الذي يضم قبرا يختلف حكمها باختلاف القصد؛ فإن كانت بنية تعظيم القبر وتقديسه، فهذه باطلة لا خلاف في ذلك، وفاعل هذا يرتكب حراما، وقد ينتهي به الأمر إلى الشرك، وهو جاهل لهذا الصنيع، ومن يفعل هذا فعليه أن يصحح عقيدته، ويعلم أن الضار والنافع هو الله لا غيره، أما إذا خلت من التقديس والتعظيم ففيها تفصيل.

يقول الدكتور رجب أبو مليح محمد  :
إن كانت هذه القبور في غير اتجاه القبلة ولا تحدث حولها بدع ومنكرات كما تقول، فلا بأس من الصلاة فيها على أساس أن تحاولوا في المستقبل نقل هذه القبور دون حدوث ضرر أكبر أو فتنة أشد.
أما إن كانت هذه القبور في اتجاه القبلة فلا ننصحك بالصلاة فيها من باب الأحوط وإنكار المنكر، وإن كانت الصلاة صحيحة على أية حال، ما دام المصلي يتوجه بها إلى الله تعالى.

ويقول الشيخ عطية صقر ـ رئيس لجنة الفتوى بالأزهر ـ سابقا :
أما عن حكم الصلاة في المسجد الذي فيه قبر، فإذا كان القبر في مكان منعزل عن المسجد أي لا يصلى فيه، فالصلاة في المسجد الذي يجاوره صحيحة ولا حرمة ولا كراهة فيها، أما إذا كان القبر في داخل المسجد، فإن الصلاة باطلة ومحرمة على مذهب أحمد بن حنبل، جائزة وصحيحة عند الأئمة الثلاثة، غاية الأمر أنهم قالوا: يكره أن يكون القبر أمام المصلى، لما فيه من التشبه بالصلاة إليه، لكن إذا قصد بالصلاة أمام القبر تقديسه واحترامه كان ذلك حرامًا، وربما أدى إلى الشرك، فليكن القبر خلفه أو عن يمينه أو عن يساره.أهـ

يقول د. يونس الأسطل ـ أستاذ الفقه بالجامعة الإسلامية ـ غزة ـ فلسطين :
إذا كانت الأضرحة في جهة القبلة فلا تجوز الصلاة في هذا المسجد بتاتا؛ لأن الصلاة عندئذٍ تكون للأضرحة لا للقبلة، أما إذا كانت الأضرحة في الخلف أو على اليمين أو الشمال؛ بحيث لا تتوسط بين المصلي والكعبة، فلا حرج في الصلاة في هذا المسجد ما لم يكن في الحي مساجد أخرى قريبة؛ فعندئذٍ تكون الصلاة فيها أفضل من الصلاة في مسجد يحتوي على الأضرحة والقبور.

وعلينا أن نقوم بالنصيحة الواجبة للذين يدورون حول الأضرحة، ويدعون معتقدين فيها البركة؛ ونبين لهم أن عملهم هذا من الشرك؛ لأن الله يقول: “وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ” (سورة البقرة : 186). وقد أكد هذا القرب حين نفى واسطة الرسول في الآية؛ إذ لم يقل: “فقل لهم إني قريب”، بل قال مباشرة فإني قريب؛ ليدل على أنه لا واسطة بينه وبين عباده المتوسلين إليه.

وإن شرك المشركين في مكة كان شرك واسطة؛ لأنهم كانوا مقرين بوجود الله، وبأنه الخالق، وكانوا يقولون عن الأصنام “مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ” (سورة الزمر :3).
وان أولئك الأموات لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا… فكيف يملكون لغيرهم ضرا أو نفعا؟ ومنه الوساطة بقبول الدعاء، وكيف وقد شبعوا موتا حتى صاروا عظاما ورفاتا؟ إن الاعتقاد في بركتهم لون من الشرك الظاهر المحبط للأعمال كلها “لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ“(سورة الزمر : 65).
والله أعلم.