السؤال:

هل يجوز لى أن أطلق زوجتى لأنها ابنة عمى وابنة خالتى فى نفس الوقت حتى لا تنتقل الأمراض إلى الذرية من بعدنا ؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد..
لم يرد نهي صريح في الإسلام بشأن زواج الأقارب به في الإسلام، وأيضا لم يرد ما يحث عليه، وعلى هذا فينظر في كل مسألة على حدةٍ، فإذا تحققت المصلحة بالزواج من قريبة كانت القريبة أفضل، وإن تحققت المصلحة بالزواج من البعيدة كانت البعيدة أفضل، فهذا الزواج متروك لاختيار الناس لكي يختاروا ما هو أنسب لهم.

يقول الدكتور عبد الكريم زيدان – أستاذ الشريعة بجامعة الإيمان باليمن-:
قال الشافعية في ضوابطهم فيما يستحب في اختيار المرأة المراد تزوجها: أن لا تكون ذات قرابة قريبة، وعلَّلوا ذلك بقولهم: “لخبر فيه النهي عن ذلك، وهو الحديث المنسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم: “لا تنكحوا القرابة القريبة، فإن الولد يخلق ضاويًا –أي نحيفًا-” ثم قالوا: قال ابن الصلاح: ولم أجد لهذا الحديث أصلاً معتمدًا .
قال السبكي:فينبغي أن لا يثبت هذا الحكم لعدم الدليل، وقد زوَّج النبي صلى الله عليه وسلم عليًا بفاطمة –رضي الله عنهما- وهي قرابة قريبة “.

وفي “مغني المحتاج” في فقه الشافعية :
“أن الشافعي نص على أنه يستحب للرجل أن لا يتزوج من عشيرته. وعلله الزنجاني بأن من مقاصد النكاح اتصال القبائل لأجل التعاضد والمعاونة باجتماع الكلمة “.

ويبدو لي أن التعليل المقبول في استحباب الزواج من النساء البعيدات لا القريبات في النسب هو ما علل به الزنجاني لأجل توسيع دائرة الروابط الاجتماعية المؤثرة في تحقيق التعاضد والتعاون بين أطراف هذه الروابط .
وعلى هذا فليس الاستحباب في زواج البعيدات وتفضيلهن على القريبات لمعنى غير مرغوب فيه في القريبات .
اغتربوا لا تضووا :

وفي “المغني” لابن قدامة الحنبلي :
“ويختار الأجنبية فإن ولدها أنجب، ولهذا يقال: اغتربوا لا تضووا. يعني: انكحوا الغرائب كيلا تضعف أولادكم؛ ولأنه لا تؤمن العداوة في النكاح وإفضاؤه إلى الطلاق، فإذا كان في قرابة أفضى إلى قطيعة الرحم المأمور بصلتها”. وهذا القول يصلح أيضًا تعليلاً مقبولاً لترجيح نكاح البعيدات .

الراجح في اختيار البعيدة أو القريبة :
والراجح في مسألة اختيار المرأة القريبة أو البعيدة هو أن تنظر كل مسألة على حدة؛ لأن هذا الاختيار يراد به تحقيق المصلحة الشرعية الراجحة، سواء جاءت هذه المصلحة بزواج البعيدة أو القريبة، وهذا يختلف باختلاف الظروف والأحوال، فلو كانت القريبة يتيمة لا كافل لها وهي متدينة فالزواج بها أولى وأرجح من الزواج بالأجنبية؛ لأن الأقربين أولى بالمعروف، والزواج بهذه اليتيمة القريبة معروف لا شك فيه؛ ويحقق مصلحة شرعية مؤكدة ترجح على ما يظن من المصلحة بزواج الأجنبية .

وكذلك لو كانت القريبة لها أقارب طامعون في الزواج بها فمن المصلحة الراجحة أن يتخلى بعضهم عن خطبتها والتحول إلى الزواج بأجنبية .

وكذلك إذا رؤي أن الزواج بامرأة أجنبية يؤدي إلى توثيق الروابط بين عائلين أو بين عشيرتين مما يؤدي إلى دفن عداوات قديمة لا يؤمن ظهروها، فإن مثل هذا الزواج أرجح من الزواج بالقريبة، وهكذا توزن كل مسألة بميزان الشرع ليعرف مقدار المصلحة الشرعية الراجحة فيتقدم المسلم لتحقيقها، سواء بتزوجه بامرأة قريبة أو بعيدة .

وبعد هذا نقول للسائل: إن كان بإمكانك أن تفعل هذا قبل الزواج فيحق لك أن تختار ما تشاء أما وقد تزوجت بابنة عمك وهى في نفس الوقت ابنة خالتك، فلا يصح أن تطلقها بهذا السبب إلا إذا تيقنت أن هناك مرض وراثي خطير، ويغلب على الظن أنه سينتقل إلى الأولاد، وهذا يحدده أهل الاختصاص من الأطباء العدول .
أما إذا كان الأمر لا يعدو الظن المحض فلا تقدم على الطلاق الذي لاشك أنه سيؤثر على صلة الرحم التى بينكما، وسيلحق الضرر بزوجتك، ثم هو أولا وأخيرا أبغض الحلال عند الله تعالى نسأل الله أن ييسر لك الأمر، وأن يلهمك الرشد إنه ولى ذلك، والقادر عليه .

والله أعلم.