السؤال:

أفتوني في سؤالي- أثابكم الله -:- أنا أعمل في مكتب وأستطيع أن أصلي في معظم الأحيان في عملي، و لكن سؤالي هو أنني أحافظ على وضوئي بصعوبة، ولكنني أعاني من تدافع الأخبثين، و أستطيع أن أصلي صلاة الظهر لدى عودتي إلى البيت مع وضوء جديد ، و لكن يكون أذان العصر على وشك أن يؤذن ، فأيهما أفضل الصلاة على وقتها مع ما أعانيه مما ذكرته -علما أنني لا أستطيع أن أجدد وضوئي في بعض الأحيان لنجاسة أرضية الحمامات هنا- أم  أصليه بطهارة جديدة في وقت متأخر ؟ جزاكم الله عنا كل خير  

الجواب:

بسم الله ، والحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد :-

الأخت الفاضلة :-

يبدو لنا أن نجيب على تساؤلك من خلال النقاط التالية:-

1- إذا انتقض وضوؤك لأي سبب فعليك أن تتوضئي لإدراك الصلاة في أي مكان كنت فيه ولا يجوز إخراج الصلاة عن وقتها، فتأخير الصلاة عن وقتها من الكبائر، وإذا اضطرتك الظروف القاهرة لتأخير الصلاة عن وقتها فعليك حينئذ أن تنوي جمع التقديم أو التأخير حتى يكون ذلك بنية الجمع ، وذلك لا يكون إلا في الظروف الطارئة غير المتكررة .

3- وإذا كان بالمكتب دورات للمياه فاستعمليها دون خوف أو قلق فطالما أن بالحمام خرطوما للماء ، أو حنفية للماء فينبغي حمل أرضية الحمام بما عليها على الطهارة لأن هذه المياه تدفع عن الحمام الخبث والنجاسة، والتفكير في غير ذلك من الوسواس المنهي عنه شرعا .

3- والصلاة في أول الوقت ليست شرطا، ولا أمرا واجبا، ولكن الأفضل المبادرة إلى الصلاة في أول كل وقت، وحينما يؤذن للصلاة يدخل وقت الفضيلة، ومعنى وقت الفضيلة أن الأفضل إيقاع الصلاة في هذه المدة،  ولكن الصلاة دون مدافعة الأخبثين في آخر الوقت أفضل من الصلاة في أوله مع المدافعة؛ وذلك لأن من الفقهاء من قال ببطلان الصلاة مع مدافعة الأخبثين، ولم يقل أحد ببطلان الصلاة إذا وقعت في آخر الوقت.

وقد اختلف في تقدير وقت الأفضلية لكل صلاة وإليك بيانها:-

قال الإمام النووي الشافعي:-

فيما يحصل به فضيلة أول الوقت في جميع الصلوات ثلاثة أوجه :

أصحها أنه يحصل بأن يشغل أول دخول الوقت بأسباب الصلاة كالأذان والإقامة وستر العورة وغيرها , ولا يضر الشغل الخفيف كأكل لقم وكلام قصير , ولا يكلف العجلة على خلاف العادة .

والوجه الثاني : يبقى وقت الفضيلة إلى نصف الوقت وادعى صاحب البيان أنه المشهور , وكذا أطلقه جماعة . وقال آخرون : إلى نصف وقت الاختيار .

والثالث :- لا تحصل فضيلة أول الوقت حتى يقدم قبل الوقت ما يمكن تقديمه من الأسباب لتنطبق الصلاة على أول الوقت . وعلى هذا قيل : لا ينال المتيمم فضيلة أول الوقت , وهذا الوجه الثالث غلط صريح فإنه مخالف للسنة المستفيضة عن فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه فمن بعدهم من التابعين وسائر أئمة المسلمين .انتهى.

ويقول الشيخ العلامة ابن العثيمين مبينا أن الإسراع بالصلاة أفضل من تأخيرها ومبينا أسباب ذلك:-

….لأن النبي صلى الله عليه وسلم حَثَّ على البَدَاءة بالصَّلاة من حين الوقت؛ فسأله ابن مسعود: أيُّ العمل أحبُّ إلى الله؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الصَّلاةُ على وقتها»، أي: من حين دخول وقتها. وقد قال بعض العلماء: إن معنى قوله: «على وقتها»، أي: وقتها المطلوب فعلها فيه شرعاً، سواء كان ذلك في أول الوقت أم آخره(5). وهذا حقٌ، لكن الأفضل التقديم؛ حتى يقوم دليلٌ على رُجحان التَّأخير.

ولأن هذا أسرع في إبراء الذِّمة؛ لأن الإنسان لا يدري ما يعرض له، فقد يكون في أوَّل الوقت نشيطاً قادراً تَسْهُلُ عليه العِبادة، ثم يمرض، وتصعب عليه الصَّلاة، وربما يموت، فالتَّقديم أسرع في إبراء الذِّمة، وما كان أسرع في إبراء الذِّمة فهو أولى.انتهى.

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية:-

الماء الجاري في أرض الحمام خارجا منها أو نازلا في بلاليعها لا يحكم بنجاسته بل بطهارته إلا أن تعلم نجاسة شيء منه ; ولهذا كان ظاهر مذهب أحمد أن الحمام لم ينه عن الصلاة فيها لكونها مظنة النجاسة كما ذهب إليه طائفة من الفقهاء وهو وجه في مذهب أحمد ، ولكن نهي عن الصلاة في الحمام لسبب آخر.

وأما اجتناب ذلك على جهة تنجيسه فحجته أن يقال : إن هذا الماء في مظنة أن تخالطه النجاسة وهو ما يكون في الحمام من القيء والبول ; فإن هذه النجاسة التي قد تكون في الحمام . فأما العذرة أو الدم أو غير ذلك فلا تكاد تكون في الحمام وإن كان فيها نادرا تميز وظهر .

ومن المعلوم بالعادات : أن الماء المطهر والجاري على أرض الحمام أكثر من النجاسات بكثير . فيكون ذلك الماء قد طهر ما مر عليه من نجس فإن اغتسال الناس من غير حدث ولا نجس في الحمامات أكثر من اغتسالهم من إحدى هاتين الطهارتين وهم يصبون على أبدانهم من الماء القراح الذي ينفصل غير متغير أكثر من غيره . انتهى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية .

وكلامه هذا في الحمامات العامة التي كانت مخصصة للاستحمام فقط، ودورات المياه عندنا اليوم تشبهها لوجود المقاعد المخصصة للتغوط والتبول، أما أرضية الحمام فتأخذ الحكم الذي تحدث عنه شيخ الإسلام ابن تيمية.

والله أعلم .