السؤال:

التدخين في الأماكن العامة لا يخفى على العاقل ضرره ، ولكن لست بحاجة إلى معرفة حكم التدخين ولكن سؤالي عن الذي يسكت عن المدخن ولا ينكر عليه، فهل سكوت المرء وعدم الإنكار على المدخن وبذل النصيحة له يكون معصية ؟  بمعنى هل في السكوت عن المدخن إثم أم يجب على الإنسان أن يتكلم وينصح ولو من باب الإعذار إلى الله تعالى وفقكم الله وسدد على طريق الحق خطاكم

الجواب:

بسم الله، والحمد لله والصلاة، والسلام على رسول الله ، وبعد..

يقول عصام الشعار – عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين-:

بعد أن أثبت الأطباء أضرار التدخين فإن الحكم الشرعي فيه لم يعد محل خلاف بين الفقهاء ، فقد اتفق الفقهاء على أن ما ثبت ضرره  ثبتت حرمته، ومن ثم فإن التدخين من الأمور المنكرة وواجب المسلم أن يزيل المنكر كلٌ حسب استطاعته ، والسكوت عن المدخن –رضاً بما يصنع- وعدم الإنكار عليه ( عند الاستطاعة ) ، لا خلاف أن هذا معصية تستوجب الإثم ، فبنو إسرائيل حقت عليهم لعنة الله بسبب إلفهم المنكر فقال سبحانه “لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ . كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ” فاللعنة لم تنزل على العصاة من بني إسرائيل فحسب ، بل شملت أيضا من تقاعس منهم عن القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فلم تكن المعصية والاعتداء أعمالاً فردية في مجتمع بني إسرائيل ، ولكنها انتهت إلى أن تصبح طابع الجماعة كلها؛ وأن يسكت عنها المجتمع ، ولا يقابلها بالتناهي فلما كان الأمر كذلك كان الجزاء هو الطرد من رحمة الله – عز وجل-.

ويقول فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي في فتوى مطولة عن فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر :

من الفرائض الأساسية في الإسلام، فريضة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وهي الفريضة التي جعلها اللّه تعالى أحد عنصرين رئيسيين في تفضيل هذه الأمة وخيريتها: (كنتم خــير أمـة أخرجـت للناس تأمرون بالمعـروف وتنهـون عـن المنكر وتؤمنـون باللّـه). (آل عمران: 110).
ومن الصفات الأساسية للمؤمنين في نظر القرآن : (التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود اللّه). (التوبة: 112).
وكما مدح القرآن الآمرين الناهين، ذم الذين لا يأمرون بالمعروف، ولا يتناهون عن المنكر كما قال تعالى: (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون.. كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه . لبئس ما كانوا يفعلـون). (المائدة: 78، 79).

والمسلم بهذا ليس مجرد إنسان صالح في نفسه، يفعل الخير ويدع الشر ويعيش في دائرته الخاصة، لا يبالي بالخير، وهو يراه ينزوي ويتحطم أمامه، ولا بالشر وهو يراه يُعشِّش ويفرخ من حوله.
بل المسلم ـ كل مسلم ـ إنسان صالح في نفسه، حريص على أن يصلح غيره، وهو الذي صورته تلك السورة الموجزة من القرآن، سورة العصر: (والعصر إن الإنسان لفي خسر.إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر). (سورة العصر).

فلا نجاة للمسلم من خسر الدنيا والآخرة، إلا بهذا التواصي بالحق والصبر، الذي قد يعبر عنه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهو حارس من حراس الحق والخير في الأمة.
فكل منكر يقع في المجتمع المسلم، لا يقع إلا في غفلة من المجتمع المسلم، أو ضعف وتفكك منه، ولهذا لا يستقر ولا يستمر، ولا يشعر بالأمان، ولا يتمتع بالشرعية بحال.
المنكر ـ أي منكر ـ يعيش “مطاردا” في البيئة المسلمة، كالمجرم المحكــوم عليه بالإعدام أو السـجن المؤبد، إنه قد يعيش ويتنقـل، ولكن من وراء ظهر العدالة، وبالرغم من المجتمع.

والمسلم إذن مطالب بمقاومة المنكر ومطاردته، حتى لا يكتب له البقاء بغير حق في أرض ليست أرضه، ودار ليست داره، وقوم ليسوا أهله.انتهى

ولكن لماذا تغلظ العقوبة حال صمت المجتمع بحيث يشمل العقاب من باشر المعصية ومن سكت عنها؟

فالجواب عن ذلك كما يقول صاحب الظلال –رحمه الله-:

إن العصيان والعدوان قد يقعان في كل مجتمع من الشريرين المفسدين المنحرفين . فالأرض لا تخلو من الشر؛ والمجتمع لا يخلو من الشذوذ ، ولكن طبيعة المجتمع الصالح لا تسمح للشر والمنكر أن يصبحا عرفاً مصطلحاً عليه؛ وأن يصبحا سهلاً يجترئ عليه كل من يهم به . . وعندما يصبح فعل الشر أصعب من فعل الخير في مجتمع من المجتمعات؛ ويصبح الجزاء على الشر رادعاً وجماعياً تقف الجماعة كلها دونه؛ وتوقع العقوبة الرادعة عليه . . عندئذ ينزوي الشر ، وتنحسر دوافعه . وعندئذ يتماسك المجتمع فلا تنحل عراه . وعندئذ ينحصر الفساد في أفراد أو مجموعات يطاردها المجتمع ، ولا يسمح لها بالسيطرة؛ وعندئذ لا تشيع الفاحشة . ولا تصبح هي الطابع العام!. انتهى..

فخطورة الأمر ليست في السكوت عن دخان السيجار الذي يتطاير ويلوث الكون من حولنا،  ولكن مكمن الخطر هو في تحول المجتمع إلى مجتمع سلبي ، الصمت والسكوت هو ديدنه ، فهذا نذير خطر يهدد الأمة كلها بالزوال ، فالذي يسكت ويرضى عن الذي يلقي القمامة في طريق الناس لن ينتفض للمطالبة بالأخذ على أيدي من ينهبون مقدرات البلاد ، والذي يسكت عن الذي يدخن السيجار لن ينتفض لمواجهة من طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد.

إن أهم خصائص هذه الأمة أنها أمة إيجابية تنمو فيها بذور الخير وتنحسر فيها دعائم الشر والفساد، ولذلك تعبدنا الله تعالى بقوله “وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ” وأسبغ علينا صفة الخيرية حين نقوم بحقها فقال سبحانه “كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ” ..

والمطلوب من المسلم أن يكون مصلحاً لا صالحاً فحسب، وفي قصة أصحاب السبت عظة وعبرة لمن أراد أن يتذكر، قال تعالى: “واَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ* وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ* فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ [-الأعراف-، ففي هذه الآيات أثنى الله جل وعلا على من قاموا بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وهذه الفئة فقط هي التي نجاها الله حين نزل بالقوم بأسه وعذابه، وسكت عن الذين تقاعسوا عن واجب الأمر  بالمعروف والنهي عن المنكر، فقيل أهلكهم مع المعتدين، وقيل نجاهم ولكن الله -تعالى- أغفلهم ولم يشر إليهم  احتقاراً لهم وكفاهم ذلك تقريعاً وتوبيخاً، فمناط الخيرية بحق ليس في كون الإنسان صالحا فحسب بل أن يكون مصلحا.

وخلاصة القول أنه لا شك أن ترك المكان الذي يتواجد فيه المدخن هي أقل درجات الإنكار ، فالمسلم إذا لم يستطع أن يزيل المنكر فلا أقل من أن يزول هو عنه ، ولكن من قدر على بذل النصيحة وجب عليه بذلها ، وليس بالضرورة أن تؤتي النصيحة أكلها على الفور ، ولكن على المسلم أن يخلص لله قلبه ويدفع بالتي هي أحسن لا بالتي هي أخشن ويقينا ستؤتي نصيحته ثمارها الطيبة في الدنيا والآخرة والتي يعود نفعها على المجتمع بأسره، المهم في الأمر أن لا نتعجل قطف الثمرة قال تعالى “ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا”.

والله أعلم.