السؤال:

بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته السؤال بإختصار ما حكم حلق اللحية؟ البعض قال ان اعفاء اللحية سنة والبعض قال ان اعفاء اللحية واجب افادكم الله دلوني اي راي اصح وما الادلة على ذلك وشكرا يرجى ارسال الرسالة الي البريد الخاصي بي وشكرا

الجواب:

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد :
حلق اللحية من الأمور التي اختلف الفقهاء في حكمها،فقيل بالحرمة ؛أخذًا برأي أنها واجبة،وقيل بالكراهة ،عملاً بقول أنها سنة مؤكدة. وما دام الأمر مختلف فيه ، فعلى المسلم أن ياخذ نفسه بالأحوط فلا يحلقها ، ويأحذ غيرة بالأيسر فلا يتهم حالقها بارتكاب المحرم ، والذي يعني فسقه .
يقول الشيخ جاد الحق علي جاد الحق شيخ الأزهر السابق رحمه الله تعالى :
من المسائل الفقهية الفرعيَّة: موضوع اللحية، حيث تَكاثر الخلاف حولها بين الإعْفاء والحلْق، حتى اتَّخذ بعض الناس إعفاء اللحية شعارًا يُعرف به المؤمن من غيره.
والحق أن الفقهاء اتفقوا على أن إعفاء اللحية، وعدم حلْقها مأثور عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقد كانت له لِحيةٌ يُعنَى بتنظيفها وتخليلها، وتمشيطها، وتهذيبها لتكون متناسبة مع تقاسيم الوجه والهيئة العامة.
وقد تابع الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيما كان يفعله وما يختاره.
وقد وردت أحاديثُ نبوية شريفة تُرغِّب في الإبقاء على اللحية، والعناية بنظافتها، وعدم حلْقها، كالأحاديث المُرغِّبة في السواك، وقصِّ الأظافر، واستنشاق الماء..
وممَّا اتفق الفقهاء عليه ـ أيضًاـ أن إعْفاء اللحية مَطلوب، لكنهم اختلفوا في تكييف هذا الإعفاء، هل يكون من الواجبات أو مِن المندوبات، وقد اختار فريق منهم الوجوب، وأقوى ما تمسَّكوا به ما رواه البخاري في صحيحه عن ابن عمر عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: “خالِفُوا المُشركينَ، ووَفِّرُوا اللِّحى، واحْفُوا الشوارب”.
وما رواه مسلم في صحيحه عن ابن عمر عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: “احْفُوا الشوارِبَ واعْفُو اللِّحَى”. حيث قالوا: إن توفيرها مأمور به، والأصل في الأمر أن يكون للوجوب إلا لصارفٍ يَصْرِفُهُ عنه، ولا يُوجد هذا الصارف، كما أن مُخالفة المشركين واجبةٌ، والنتيجة أن توفير اللحْية، أيْ: إعفاءها واجبٌ.
قال الإمام النووي في شرحه حديث: “احْفُوا الشوارب واعْفوا اللِّحَى”: إنه وردت رواياتٌ خمسٌ في ترْك اللحْية، وكلها على اختلافها في ألفاظها تدلُّ على ترْكها على حالها…
وممَّا رَتَّبُوه على القول بوُجوب إعفاء اللحية: ما نقله ابن قدامة الحنبلي في المُغني: أن الدية تجب في شَعْر اللحية عند أحمد، وأبي حنيفة والثوري، وقال الشافعي ومالك: فيه حكومة عدْلٍ، وهذا يُشير إلى أن الفقهاء قد اعتبروا إتلاف شَعر اللحية حتى لا يَنبت جِنايةٌ من الجنايات التي تَستوجب المُساءلة: إما الدية الكاملة كما قال الأئمة أبو حنيفة وأحمد والثوري، أو دِية يُقدرها الخبراء كما قال الإمامان: مالك والشافعي.

وذهب فريقٌ آخر إلى القول بأن إعفاء اللحية سُنَّة يُثاب فاعلها ولا يُعاقب تاركها، وحلْقها مَكروه، وليس بحرام، ولا يُعَدُّ مِن الكبائر، وقد استندوا في ذلك إلى ما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: “عشْرٌ مِن الفطرة: قصُّ الشارب، وإعفاء اللحْية، والسواك، واستنشاق الماء، وقصُّ الأظفار، وغسْل البراجِم (البراجم: مَفاصل الأصابع من ظهر الكف “. ونَتْفُ الإبِط، وحلْق العانَة، وانتقاص الماء (أي الاستنجاء). قال مصعب: ونسيتُ العاشرة إلا أن تكون المَضمضة.

حيث أفاد الحديث أن إعفاء اللحية من السُنَن والمَندوبات المَرغوب فيها إذ كل ما نصَّ عليه من السُنَن العادية.
وقد عقَّب القائلون بوُجوب إعفاء اللحية ـ على القائلين بأنه مِن سُنَنِ الإسلام ومَندوباته ـ بأن إعفاء اللحية جاء فيه نصٌّ خاصٌّ أخرجها عن الندْب إلى الوُجوب، وهو الحديث المذكور سابقًا “خالِفوا المُشركين..”.

وردَّ أصحاب الرأي القائل بالسُنَّة والندْب بأن الأمر بمُخالفة المُشركين لا يتعيَّن أن يكون للوُجوب، فلو كانت كلُّ مُخالفةٍ لهم مُحتَّمة لتحتَّم صبْغ الشعر الذي وَرَدَ فيه حديث الجماعة: “إن اليهود والنصارى لا يَصبغون فخَالِفُوهم”. (رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي) مع إجماع السلف على عدم وُجوب صبْغ الشعر، فقد صبَغ بعض الصحابة، ولم يصبغ البعض الآخر كما قال ابن حجر في فتح الباري، وعزَّزوا رأيهم بما جاء في كتاب نهج البلاغة : سُئل عليٌّ ـ كرَّم الله وجهه ـ عن قول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم: “غيِّروا الشَّيْبَ ولا تَشَبَّهُوا باليهود”. فقال: إنما قال النبي ذلك والدِّينُ قُلٌّ، فأما الآن وقد اتَّسع نطاقه، وضرب بجرانه فامرؤٌ وما يَختار..
مِن أجل هذا قال بعض العلماء: لو قيل في اللحْية ما قيل في الصبْغ مِن عدم الخُروج على عرف أهل البلد لكان أولَى، بل لو تركت هذه المسألة وما أشبهها لظُروف الشخص وتقديره لمَا كان في ذلك بأس.
وقد قيل لأبي يوسف صاحب أبي حنيفة ـ وقد رُؤي لابسًا نَعْلَيْنِ مَخْصُوفيْن بمَسامير ـ إن فلانًا وفلانًا من العلماء كرِهَا ذلك؛ لأن فيه تَشَبُّهًا بالرهبان فقال: كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يلبسُ النعال التي لها شعْر، وإنها مِن لبس الرهبان…
وقد جرَى على لسان العلماء القول: بأن كثيرًا ممَّا ورَد عن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في مثل هذه الخِصال يُفيد أن الأمر كما يكون للوُجوب يكون لمُجرد الإرشاد إلى ما هو الأفضل، وأن مُشابهة المُخالفين في الدِّين إنما تَحرُم فيما يُقصد فيه الشبه بشيء مِن خصائصهم الدينية، أمَّا مُجرَّد المشابهة فيما تجري به العادات والأعراف العامة فإنه لا بأْس بها ولا كَراهة فيها ولا حُرمة.
لمَّا كان ذلك كان القول بأن إعفاء اللحية أمر مَرغوب فيه، وأنه من سُنَن الإسلام التي ينبغي المحافظة عليها مقبولاً، وكان مَن أعفَى لحْيته مُثابًا، ويُؤجَر على ذلك، ومَن حلَقها، فقد فعل مَكروهًا، لا يأثَمُ بفِعله هذا اعتبارًا لأدلة هذا الفريق. (انتهى) يقول الشيخ القرضاوي :
روى البخاري عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “خالفوا المشركين، وفروا اللحى، وأحفوا الشوارب”. وتوفيرها هو إعفاؤها كما في رواية أخرى (أي تركها وإبقاؤها). وقد بين الحديث علة هذا الأمر وهو مخالفة المشركين، والمراد بهم المجوس عباد النار، فقد كانوا يقصون لحاهم، ومنهم من كان يحلقها. وإنما أمر الرسول بمخالفتهم، ليربي المسلمين على استقلال الشخصية، والتميز في المعنى والصورة، والمخبر والمظهر، فضلا عما في حلق اللحية من تمرد على الفطرة، وتشبه بالنساء، إذ اللحية من تمام الرجولة، ودلائلها المميزة.

وليس المراد بإعفائها ألا يأخذ منها شيئا أصلا، فذلك قد يؤدي إلى طولها طولا فاحشا، يتأذى به صاحبها، بل يأخذ من طولها وعرضها، كما روي ذلك في حديث عن الترمذي، وكما كان يفعل السلف، قال عياض: يكره حلق اللحية وقصها وتحذيفها، (أي تقصيرها وتسويتها)، وأما الأخذ من طولها وعرضها إذا عظمت فحسن.

وقال أبو شامة: “وقد حدث قوم يحلقون لحاهم، وهو أشهر مما نقل عن المجوس أنهم كانوا يقصونها”.

أقول: بل أصبح الجمهور الأعظم من المسلمين يحلقون لحاهم، تقليدا لأعداء دينهم ومستعمري بلادهم من النصارى واليهود، كما يولع المغلوب دائما بتقليد الغالب، غافلين عن أمر الرسول بمخالفة الكفار، ونهيه عن التشبه بهم، فإن من “تشبه بقوم فهو منهم”.

نص كثير من الفقهاء على تحريم حلق اللحية مستدلين بأمر الرسول بإعفائها. والأصل في الأمر الوجوب، وخاصة أنه علل بمخالفة الكفار، ومخالفتهم واجبة.

ولم ينقل عن أحد من السلف أنه ترك هذا الواجب قط.

وبعض علماء العصر يبيحون حلقها تأثرا بالواقع، وإذعانا لما عمت به البلوى ولكنهم يقولون: إن إعفاء اللحية من الأفعال العادية للرسول وليست من أمور الشرع التي يتعبد بها. والحق أن إعفاء اللحية لم يثبت بفعل الرسول وحده بل بأمره الصريح المعلل بمخالفة الكفار. وقد قرر ابن تيمية بحق أن مخالفتهم أمر مقصود للشارع، والمشابهة في الظاهر تورث مودة ومحبة وموالاة في الباطن، كما أن المحبة في الباطن تورث المشابهة في الظاهر، وهذا أمر يشهد به الحس والتجربة. قال: وقد دل الكتاب والسنة والإجماع على الأمر بمخالفة الكفار والنهي عن مشابهتهم في الجملة، وما كان مظنة لفساد خفي غير منضبط علق الحكم به ودار التحريم عليه، فمشابهتهم في ذلك الظاهر سبب لمشابهتهم في الأخلاق والأفعال المذمومة، بل في نفس الاعتقادات، وتأثير ذلك لا ينضبط، ونفس الفساد الحاصل من المشابهة قد لا يظهر، وقد يتعسر أو يتعذر زواله، وكل ما كان سببا إلى الفساد فالشارع يحرمه.

وبهذا نرى أن في حلق اللحية ثلاثة أقول: قول بالتحريم وهو الذي ذكره ابن تيمية وغيره. وقول بالكراهة وهو الذي ذكر في الفتح عن عياض ولم يذكر غيره. وقول بالإباحة وهو الذي يقول به بعض علماء العصر. ولعل أوسطها أقربها وأعدلها -وهو القول بالكراهة- فإن الأمر لا يدل على الوجوب جزما وإن علل بمخالفة الكفار، وأقرب مثل على ذلك هو الأمر بصبغ الشيب مخالفة لليهود والنصارى، فإن بعض الصحابة لم يصبغوا، فدل على أن الأمر للاستحباب.

صحيح أنه لم ينقل عن أحد من السلف حلق اللحية، ولعل ذلك لأنه لم تكن بهم حاجة لحلقها وهي عادتهم .أهـ
يقول الدكتور محمد سيد أحمد المسير الأستاذ بجامعة الأزهر :
اختلف العلماء في حكم إطلاق اللحية، والذي نراه ونطمئن إليه أنها سنة تُفعل عند المقدرة وعدم الموانع، ويستطيع كل إنسان أن ينوي إطلاقها إذا كان غير مطلقٍ لها، ويتخير الوقت المناسب لإطلاقها إذا كان يجد في مجتمعه أو بيئته بعض الموانع والمضار، وليس الأمر يتوقف على المظهر وحده إنما نحن في حاجة إلى مخبر ومظهر، وإلى عقيدة وسلوك ولا ينبغي أن تكون مثل هذه الموضوعات المتعلقة باللحية أو الثوب القصير أو الإسبال مصادر خلافات ومنازعات، فإن قضايا الإسلام أعمق من ذلك كله، وهناك أولويات في فقه الدعوة يجب أن نراعيها حتى لا تتبدد الجهود ونستهلك الوقت والعقل فيما لا طائلة من ورائه.
أهـ هذا هو حكم اللحية ، وقد رجح الشيخ القرضاوي القول الذي يقضي بكراهة حلقها , وأن الأمر لا يراد به الوجوب ، فالمسلم يثاب على ترك حلق اللحية ، ولا يلام على حلقها.
والله أعلم .