السؤال:

يزعم بعض الناس أن أي سفر يبيح قصر الصلاة ولو كان عشرة كيلو مترات ، فهل هذا صحيح ، وإذا كان عملي يبعد عن سكني 60 كم وأنتقل بينهما يومياً ويتزامن وقت صلاة الظهر مع وجودي في العمل فهل أقصر الصلاة في هذه الحالة ؟

الجواب:

بسم الله ، والحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد :

 فجمهور الفقهاء على اعتبار مسافة للسفر وهو حوالي ثمانين كيلو مترا تقريبا، فإن نقصت قليلا ككيلو أو اثنين أو ثلاثة فلا حرج ، وأما ستون كيلو مترا فلا تكفي للقصر.

 يقول الشيخ عطية صقر، رئيس لجنة الفتوى بالأزهر ـ رحمه الله ـ :
يقول الله تعالى {‏ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ}‏ النساء:‏ ‏101 والخوف من الفتنة ليس شرطا لقصر الصلاة كما ثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم ، فهو صدقة تصدق اللّه بها علينا فلنقبل صدقته .‏
والسفر المبيح للقصر اختلف فى تقديره العلماء ، يقول القرطبى فى تفسيره ” ج ‏5 ص ‏353″ قال داود :‏ تقصر الصلاة فى كل سفر طويل أو قصير ولو كان ثلاثة أميال ، متمسكا بحديث رواه مسلم عن أنس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ -‏ شك من أحد رواة الحديث واسمه شعبة-‏ صلى ركعتين .‏ يقول القرطبى :‏ وهذا لا حجة فيه ، لأنه مشكوك فيه -‏أى فى المسافة التى رواها شعبة-‏ وعلى تقدير أحدهما فلعله حد المسافة التى بدأ منها السفر، وكان سفرا طويلا زائدا على ذلك .‏
ولم يذكر حد السفر الذى يقع به القصر لا فى القرآن ولا فى السنة ، وإنما كان كذلك لأنها لفظة عربية مستقر علمها عند العرب الذين خاطبهم الله تعالى بالقرآن ، فنحن نعلم قطعا أن من برز عن الدور لبعض الأمور أنه لا يكون مسافرا لغة ولا شرعا ، وإن مشى ثلاثة أيام فإنه مسافر قطعا، كما أنَّا نحكم على أن من مشى يوما وليلة كان مسافرا ، لقول النبى صلى الله عليه وسلم ” لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم إلا مع ذى محرم منها” وهذا هو الصحيح ، لأنه وسط بين الحالين ، وعليه عوَّل مالك ، ولكنه لم يجد هذا الحديث متفقا عليه ، وروى مرة ” يوما وليلة ” ومرة ” ثلاثة أيام ” فجاء إلى عبد الله ابن عمر فعوَّل على فعله ، فإنه كان يقصر الصلاة إلى ” رئمْ”  -‏واد بالمدينة-‏ وهى أربعة بردٌ :‏ لأن ابن عمر كان كثير الاقتداء بالنبى صلى الله عليه وسلم .‏ قال غيره :‏ وكافة العلماء على أن القصر إنما شرع تخفيفا، والتخفيف إنما يكون فى السفر الطويل الذى تلحق به المشقة غالبا ، فراعى مالك والشافعى وأصحابهما والليث والأوزاعى وفقهاء أصحاب الحديث أحمد وإسحاق وغيرهما يوما تاما ، وقول مالك يوما وليلة راجع إلى اليوم التام ، لأنه لم يرد بقوله ” مسيرة يوم وليلة ” أن يسير النهار كله والليل كله ، وإنما أراد أن يسير سيرا يبيت فيه بعيدا عن أهله ولا يمكنه الرجوع إليهم .‏ وفى البخارى :‏ وكان ابن عمر وابن عباس يفطران ويقصران فى أربعة بُرد، وهى ستة عشر فرسخا ، وهذا مذهب مالك .‏ وقال الشافعى والطبرى :‏ ستة وأربعون ميلا ، وعن مالك روايتان ، خمسة وأربعون ميلا، وستة وثلاثون ميلا .‏

وبعد كلام طويل فى تقدير المسافة قال أبو عمر:‏ اضطربت الآثار المرفوعة فى هذا الباب كما ترى فى ألفاظها ، ومجملها عندى – ‏والله أعلم-‏ أنها خرجت على أجوبة السائلين ، فحدث كل واحد بمعنى ما سمع -‏ وذلك فى حديث سفر المرأة بغير محرم -‏ .‏ هذا ما نقلته من تفسير القرطبى باختصار وتصرف .

 وذكر ابن قدامة فى ” المغنى “ج ‏2 ص ‏92 روايات عن جماعة من السلف أن القصر يجوز فى أقل من هذه المسافة ، لكنها روايات مردود عليها .‏
وجاء فى فقه المذاهب الأربعة أن المسافة التى تقصر فيها الصلاة فى السفر هى ستة عشر فرسخا ذهابا فقط ، والفرسخ ثلاثة أميال ، والميل ستة آلاف ذراع بذراع اليد ، وهذه المسافة تساوى ثمانين كيلو ونصف كيلو ومائة وأربعين مترا -‏ مسيرة يوم وليلة بسير الإِبل المحملة بالأثقال سيرا معتادا -‏ ولا يضر نقصان المسافة عن المقدار المبين بشيء قليل ، كميل أو ميلين .‏
وأبو حنيفة لم يقدر المسافة بهذه المقاييس ، بل قدرها بالزمن وهو ثلاثة أيام من أقصر أيام السنة يكفى أن يسافر فى كل يوم منها من الصباح إلى الزوال ، والمعتبر السير الوسط .‏
والمالكية قالوا :‏ إن نقصت المسافة عن القدر المبين بثمانية أميال وقصر الصلاة صحت صلاته ولا إعادة عليه على المشهور .‏
ويستثنى من اشتراط المسافة أهل مكة ومِنى ومزدلفة والمحصب إذا خرجوا فى موسم الحج للوقوف بعرفة فإنه يسن لهم القصر فى حال ذهابهم .‏
وكذلك فى حال إيابهم إذا بقى عليهم عمل من أعمال الحج التى تؤدى فى غير وطنهم ، وإلا أتموا .‏
ثم قال العلماء :‏ لا يشترط قطع المسافة المذكورة فى المدة المذكورة والمقدرة بالأيام ، فلو قطعها فى أقل منها ولو فى لحظة صح القصر-‏ كما هو الشأن فى السفر بالطائرات والقطارات والسيارات .‏
يؤخذ من هذا أن الرأى المتفق عليه بين الأئمة الأربعة أن يكون السفر طويلا، لا يقل عن ثمانين كيلو مترا تقريبا .‏ هذا ، وقد ذكر ابن قدامة فى ” المغنى “ج ‏2 ص ‏96 أنه حكى عن عطاء وسليمان بن موسى أنهما أباحا القصر فى البلد لمن نوى السفر وكذلك حكى عن غيرهما ولا يوجد دليل صحيح لذلك .‏
وبناء على هذه الفتوى نقول للسائل إن عليك أن تتم الصلاة لأمرين الأول :لأنك لم تصل إلى المسافة التى قدرها جمهور الفقهاء والثانى :أن هذا السفر أصبح عادة لك ولا يحدث على فترات متباعدة ولكنه أصبح أمرا متكررة بصفة مستمرة .

والله أعلم.