السؤال:

تناقلت وسائل الإعلام اقتراحا لوزارة الصحة البريطانية يقضي بإعطاء بعض المسجونين في قضايا التحرش الجنسي بالأطفال بعض الأدوية التي تحدث نوعا من الإخصاء الكيميائي، وذلك مالم تنجح البرامج الأخرى في مساعدتهم على التخلص من التحرش بالأطفال، فهل يجوز إعطاء المسجونين عقاقير لـ"لإخصاء الكيميائي"؟

الجواب:

بسم الله ، والحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد:

يجوز إعطاء عقار للتقليل من الشهوة الجنسية ، كنوع من العلاج الذي يساعد المرضى على التخلص من التحرش الجنسي للأطفال إن كان تأثيره مرتبطا بتناول العقار، بحيث لا يكون له تأثير عند عدم تناوله ، وألا يكون فيه ضرر على المستعمل .

 

وبيان ذلك ما يلي :

إن من الأمور المستقرة عند أهل الفنون والعلوم كلها أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، فتصور المسألة هو بداية الاجتهاد الفقهي، ثم تأتي مرحلة التكييف وبيان الحكم الشرعي.

وما تنوي وزارة الصحة البريطانية عمله من إعطاء المسجونين المتهمين بالتحرش الجنسي للأطفال عقار “بورزاك” ، يجب أن يخضع أولا لفهم الأطباء ، حتى تتبين المسألة ، ثم يكون الحكم الشرعي وفقا لها .

ورجوعا لأهل العلم المختصين ، قال الدكتور معتز الدمياطي : أستاذ الأمراض الجلدية والتناسلية والذكورة بكلية الطب جامعة المنيا:

إن أخذ ” عقاقير” تخص الذكورة تختلف حسب نوعية ” العقار” ، فهناك عقاقير قد تؤدي إلى منع الإنجاب بالكلية، وهناك عقاقير قد تؤثر في هبوط الشهوة والتقليل منها ، وهذه الأخيرة تختلف أيضا ، فهناك ما قد يؤدي إلى ضعف الأداء الجنسي بشكل كبير ، ومنها ما قد يؤدي إلى هبوط غير حاد، ويرتبط ضعف الأداء بتناول العقاقير ، يعني أن له علاقة بالبرنامج العلاجي في الفترة الزمنية ، فإن انقطع المريض عن أخذ الدواء، عاد طبيعيا كما كان في الأداء الجنسي .

وتكييفا للمسألة أيضا يقول الدكتور طه عبد الناصر الفار مدرس الأمراض الجلدية والتناسلية والذكورة بكلية طب القصر العيني بمصر :

إن العقار المستخدم والمسئول عنه ، وهو  عقار “بورزاك” يستخدم في الأصل لحالات الاكتئاب، ولكن له أعراض جانبية ذات تأثير من الناحية الجنسية ، فهو يؤدي إلى ضعف الانتصاب ، وقد يؤدي إلى منع الانتصاب إذا كانت الجرعة المأخوذة كبيرة ، ولكن هذا العقار لا علاقة له بقطع الإنجاب كيميائيا ، وبالتالي ، فليس من نتائجه أنه يؤدي إلى ” الإخصاء الكيميائي”، ولكن مع إعطاء الجرعات الكبيرة قد يؤدي إلى فقدان القدرة الجنسية في فترة أخذ الدواء .

وطبيعة التأخر في القذف والانتصاب تأتي عن طريق تأثيره في المخ ، ولكن النتيجة لهذا الدواء أظن أنها مازالت تحت التجريب ، ولا يعتقد أنها سيكون لها تأثير كبير على كل الحالات التي تخضع للعلاج ، فتأثير الـ ” بورزاك” ليس فيه كلام علمي قاطع في طبيعة الأداء الجنسي .

ويخشى من الإفراط في استعماله ، لأن العقار له أعراض جانبية أخرى ، فهو يؤدي إلى كثرة النوم ، و”زغللة العين”، والعثيان وغيرها من الأعراض الجانبية.

وبناء على ما سبق من تصور المسألة علميا نقول :

إن اقتراح إعطاء عقار الـ ” بورزاك” لأجل الإخصاء الكيميائي لا يطلق عليه ” إخصاء ” لا من الناحية الشرعية ولا من الناحية العلمية، لأن الإخصاء هو استئصال الأعضاء التناسلية، بل هو أقرب إلى ” العنة ” المؤقتة، أي عدم القدرة على المعاشرة الجنسية ، والقول بتحريم الإخصاء الكيميائي لا يستند إلى دليل شرعي ، لأن كل الأحاديث الواردة عن النهي إنما هو عن استئصال الأعضاء والتي تمنع الإنجاب، ومن هنا جاء النهي عن الإخصاء الحقيقي فيما روى عبد الله بن مسعود قال : { كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس لنا شيء , فقلنا : ألا نستخصي ؟ فنهانا عن ذلك } ، وفي رواية أن عثمان رضي الله عنه قال : { يا رسول الله ائذن لي في الاختصاء فقال : إن الله قد أبدلنا بالرهبانية الحنيفية السمحة }، فالنهي الوارد هنا في الأحاديث ينطبق على الإخصاء الحقيقي .

أما فيما يخص الإخصاء الكيمائي ، فإن الأمور بمقاصدها ، و يجب أن نفرق فيه بين الحالات المختلفة ، على النحو التالي :

 

1-   إن كان تناول العقاقير لإضعاف الشهوة عند من يرى أن الشهوة تغلبه ، فيتسبب ذلك في دفعه للزنى أو التحرش أو غيره ، فلا بأس باستعماله تحت إشراف الأطباء ، بحيث يحدد الطبيب النسبة المناسبة له في تحقيق المقصود دون الإضرار بجسده ، إذ الجسد أمانة ، ولا يجوز الاعتداء على الجسد لأجل الذنب ، لأن فكرة الاعتداء على الجسد كنوع من التوبة منهي عنها في الإسلام ، وإن كانت في الأمم السابقة ، كما قال تعالى على لسان موسى عليه السلام لبني إسرائيل :( فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) البقرة :54، فرحم الله تعالى تلك الأمة ، وجعل توبتها بالندم على الفعل ، والعزم على عدم العودة إليه ، و مجاهدة النفس في تركه ، وألا يعود إليه مرة أخرى ، مع الإكثار من الأعمال الصالحة.

2-   أما إن كانت نسبة تناول العقار قد تضر بالإنسان ، بحيث تؤثر سلبا على جسده وصحته ، فلا يجوز استعمالها ، ولا إجبار الناس عليها ، بل لابد من البحث عن البديل ، ولا يشترط أن يكون البديل دواء طبيعيا يأخذه الإنسان ، فإن مما يعلم في عالم الطب أن أنفع الأدواء ما كان من جنس المرض، فإن كان التحرش الجنسي وصل إلى درجة المرض النفسي، فليكن العلاج نفسيا من خلال برنامج علاجي يقوم على إعداده عدد من علماء الطب النفسي والإرشاد، مع معرفة الأسباب الدافعة لمثل هذا الفعل ، فيدخل فيه الإرشاد الاجتماعي أيضا ، ومن أهم أسسه أيضا العلاج الديني من مراقبة الله تعالى والخوف منه وعدم إضرار البشر، والسعي للإصلاح ومحاربة الإفساد , وإيجاد البديل المباح .

3-   أما إن كانت العقاقير تؤدي إلى قطع الإنجاب ، فهذا لا يجوز بحال من الأحوال ، لأنه كما يقول العلماء : يتحمل الضرر الأخف مقابل الضرر الأكبر ، وأنه لا يجوز إنكار المنكر بمنكر أكبر منه ، لأن هذا يعني تفويت حق دائم للإنسان وهو القدرة على الإنجاب وممارسة حقه الطبيعي من قضاء الشهوة في المباح ، فقد يتوب ويتزوج ، فلا نضيع عليه حقا أكبر مقابل خطأ يمكن علاجه.

 

والخلاصة :

أنه يجوز إعطاء العقار إن كان لمجرد إضعاف الشهوة مؤقتا في زمن تناول العلاج ، بحيث لو امتنع عن تناول العقاقير عاد إلى طبيعته ، أما إن ترتب عليه ضرر فلا يجوز ، ويبحث عن بدائل أخرى علاجية.

 

والله أعلم

نشرت الفتوى على الموقع بتاريخ 29-6-2006م