السؤال:

ما حكم المعاهدة بين اليمين والنذر؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد :

هذه الصيغة التي قالتها المرأة يتنازعها بابان : باب النذر وباب اليمين.

وعلى أية حال فحتى لو اعتبرنا هذه المعاهدة داخلة في مفهوم النذر، فإن من أخل بالنذر لغير عذر فهو آثم، وعليه أن يلتزم.

وأما من أخل بالنذر بسبب العذر كصاحبة السؤال، فينظر هل هذا العذر مؤقت أم دائم؟

فإن كان مؤقتا فلا إثم عليها، ثم إذا زال عنها العذر فعليها الوفاء بما مضى وما بقي، فتقضي ما أفطرته أيام العذر، وتصوم ما بقي من أيام حياتها.

وإذا كان العذر دائما فعليها كفارة يمين، فتطعم عشرة مساكين، لكل مسكين وجبتان مشبعتان من أوسط ما تأكل، أو تكسوهم، للرجل ثوب، وللمرأة ثوب وخمار.

يقول العلامة المرداوي الحنبلي في كتابه الإنصاف ناقلا كلام -شيخ الإسلام ابن تيمية- :

“والعقود والعهود متقاربة المعنى أو متفقة. فإذا قال “أعاهد الله أني أحج العام ” فهو نذر وعهد ويمين. ولو قال “أعاهد الله أن لا أكلم زيدا” فيمين وعهد لا نذر.

فالأيمان إن تضمنت معنى النذر وهو أن يلتزم لله قربة لزمه الوفاء. وهي عقد وعهد، ومعاهدة لله؛ لأنه التزم لله ما يطلبه الله منه. وإن تضمنت معنى العقود التي بين الناس وهو أن يلتزم كل من المتعاقدين للآخر ما اتفقا عليه فمعاقدة ومعاهدة، يلزم الوفاء بها. ثم إن كان العقد لازما : لم يجز نقضه، وإن لم يكن لازما : خير ولا كفارة في ذلك لعظمه. ولو حلف (لا يغدر) كفر للقسم لا لغدره، مع أن الكفارة لا ترفع إثمه، بل يتقرب بالطاعات. “انتهى.

ويقول الدكتور حسام الدين بن موسى عفانة -أستاذ الفقه وأصوله بجامعة القدس فلسطين- :

وردت آيات عديدة في عهد الله أو معاهدة الله سبحانه وتعالى، ومنها قوله تعالى : (الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ) [سورة البقرة : 27].

ومنها قوله تعالى : (إن الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ). [سورة آل عمران : 77].

ومنها قوله تعالى : (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ ءَاتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ فلما ءاتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون) [سورة التوبة : 75-77]. وغير ذلك من الآيات.

قال الراغب الأصفهاني : (… وعهد الله تارة يكون بما ركزه في عقولنا وتارة يكون بما أمرنا به بالكتاب وبالسنة رسله وتارة بما نلتزمه وليس بلازم في أصل الشرع كالنذور وما يجري مجراها وعلى هذا قوله : (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ) – (أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ) – (وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ). [المفردات في غريب القرآن ص350].

وقد قرر العلماء أن من عاهد الله سبحانه وتعالى ثم نقض عهده فقد ارتكب معصية من المعاصي وينطبق عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح : “آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان”. (رواه البخاري ومسلم).

وجاء في رواية أخرى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال : “أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، إذا أؤتمن خان وإذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر”. (رواه البخاري ومسلم).

و يجب على المسلم إذا عاهد الله أن يفعل خيراً أو ينتهي عن معصيه فعليه الوفاء بما عاهد عليه الله. قال تعالى : (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا) [سورة الإسراء : 34].

وأما إذا نقض عهده مع الله فقد ارتكب معصية وقد عدها جماعة من العلماء من كبائر الذنوب. (انظر الزواجر عن اقتراف الكبائر 1/225-2).
فعلى من نقض عهد الله أن يبادر إلى التوبة ويفي بما عاهد الله عليه. انتهى.

والله أعلم.