السؤال:

في عدد من الحوادث فيما يعرف بـ"زنا المحارم"، ومع خشية الفضيحة، تترك الفتاة نفسها دون أن تخبر أحدا،والنتيجة أنها تكون حاملا ، ربما من أبيها أو عمها أو خالها ، ممن خرجوا عن فطرتهم، المهم هنا ، ماذا تفعل الأسر في الجنين الذي يسكن أحشاء ابنتهم ، هل يبيح الشرع في مثل هذه الحالة أن يقوموا بعملية الإجهاض حتى يخفوا العار الذي يلحق بهم طول الزمن، أم نترك الولد الذي لا ذنب له يقابل مصيره في الحياة ؟

الجواب:

بسم الله ، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد:

فقد أجمع الفقهاء على أنه لا يجوز الإجهاض بعد أربعة أشهر ، أما قبلها فالأمر خلافي بين الفقهاء، وفي حال زنا المحارم يرجح القول بإباحة الإجهاض قبل نفخ الروح.

وقد اتفق الفقهاء على أنه لا يجوز الإجهاض بعد أربعة أشهر ، وهي المدة التي يكون فيها الجنين قد تخلق، ونفخ فيه الروح ، ودليله ما اتفق الشيخان عليه من حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :” ‏إن أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما، ثم ‏‏علقة ‏ ‏مثل ذلك، ثم يكون ‏ مضغة ‏ ‏مثل ذلك،  ثم يبعث الله ملكا فيؤمر بأربع؛ برزقه وأجله وشقي أو سعيد” .

و الضابط في الإجهاض من حيث الإباحة أو الحرمة  هو عملية التخلق ونفخ الروح، فإن كان الجنين قد تخلق ونفخ فيه ، فلا يجوز إجهاضه ، بسبب أن هذا زنا من المحارم، أما إن كان لم يتخلق ، فيجوز ذلك عند عدد من الفقهاء.

وقد اختلف الفقهاء في الإجهاض قبل نفخ الروح، فمنهم من رأى الإباحة، ومنهم من رأى الكراهة ، ومنهم من رأى الحرمة .

فقد ذهب بعض الحنفية إلى أنه يباح الإسقاط بعد الحمل ، ما لم يتخلق شيء منه.

وقال اللخمي من المالكية، والإمام أبو إسحاق المروزي من الشافعية : يباح قبل الأربعين .

بل  صرح الإمام الرملي من كبار فقهاء الشافعية، وهو ما يعرف بالشافعي الصغير: لو كانت النطفة من زنا فقد يتخيل الجواز قبل نفخ الروح.

وقال بعض الحنابلة بجواز الإجهاض في بداية الحمل، إذ أجازوا للمرأة شرب الدواء المباح لإلقاء نطفة لا علقة.

وذهب بعض الحنفية إلى الإسقاط إذا كان لعذر، ومن فقهاء المذاهب من رأى الكراهة .

وقد نقل الخطيب الشربيني الشافعي عن الإمام الزركشي : أن المرأة لو دعتها ضرورة لشرب دواء مباح يترتب عليه الإجهاض فينبغي أنها لا تضمن بسببه.

ومن الفقهاء من رأى التحريم قبل نفخ الروح ، وهو المعتمد عند المالكية والحنابلة ، ووجه عند الشافعية .

أما القول بأن عدم إباحة الإجهاض قد يؤدي إلى مشكلات في النسب، فهل ننسب الولد من البنت إلى جده، أو إلى عمه أو خاله، فإن هذا التخوف لا يحل الإجهاض بعد نفخ الروح، إذ إنه من الزنى ، فلا ينسب إلى قريبه على الراجح من أقوال الفقهاء، بل إن الإبقاء على حياته بعد نفخ الروح فيه سد لجريمة الزنى ، حتى لا يتجرأ الناس عليه ، وقد شرع الله تعالى القصاص من القتل ، مع كون الظاهر فيها إزهاق روح، لكن الله تعالى صرح بمقصد القصاص ، فقال :” ولكم في القصاص حياة يا أولى الألباب لعلكم تتقون”.

أما القول بإباحته قبل نفخ الروح، فإن فيه مندوحة من الشرع، وفيه دليل أو اجتهاد، فيمكن الاستناد عليه، أخذا بقاعدة أخف الضررين . وهو ما رجحه الإمام ابن حجر، فقال: “وإن كان التخلق مختلف فيه بين كونه بعد الأربعين، أو بعد أربعة أشهر ، فإن الأولى اعتماد جواز الإجهاض قبل التخلق على رأي من يرى أنه قبل الأربعة أشهر .”

وبهذا تظهر حكمة الشرع في وسطيته وأنه أقوم التشريعات، فلا هو أباح الإجهاض، فيكون سبيلا لانتشار الزنا، ومنه زنا المحارم ،ولا هو أغلق الباب بالكلية .

وهذا بيان للحكم الشرعي دون الفتاوى التي تخص كل سائل على حدة، حسب مشكلته الخاصة و ظروفها .

والله أعلم

ويمكنكم قراءة الفتوى التالية:

 

‏ اغتصاب زوجة الابن وأثره على الحياة الزوجية