السؤال:

بسم الله الرحمن الرحيم، و الصلاة و السلام على أشرف المرسلين و على آله و صحبه أجمعين. إلى الإخوة و الأخوات القائمين على موقع إسلام أون لاين. السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته. أنا صاحب الاستشارة السابقة ذات رقم المراجعة:  e9PuwV. و أخيرا أتمكن من معاودة الاتصال بكم بعد جهد جهيد و عدة محاولات كلها باءت بالفشل (منذ حوالي 3 أشهر) حيث كنت أجد أن الفترة المخصصة لاستقبال الأسئلة قد انقضت بسبب الفارق الزمني بين توقيت المغرب و توقيت السعودية، فالمرجو الانتباه لهذه المسألة جازاكم الله خيرا.  بداية أود أن أشكر لكم اهتمامكم بأسئلتي السابقة حول الرؤى، و سرعة ردكم علي. كما أتمنى على الإخوة القائمين على مركز الفتوى في موقع إسلام أون لاين أن يعرضوا أسئلتي على فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي حتى لو نتج عن ذلك بعض التأخير في الرد علي، إلا إذا كان الأمر متعذرا حاليا أو في المستقبل القريب، فالمرجو إحالتها على أحد من السادة العلماء الأفاضل مشكورين. أود أن أشير بداية إلى أن ما جاء في ردكم علي، قد سبق لي أن اطلعت على أغلبه سواء على موقعكم أو من خلال مصادر أخرى. لكن سؤالي يتمحور حول رؤية رسول الله صلى الله عليه و سلم يقظة أو ما يسمى بالمشاهدة. فهل يمكن مشاهدة النبي صلى الله عليه و سلم يقظة –و أؤكد يقظة- لا مناما؟ و هل يمكن رؤية الأنبياء (دون رسول الله) عليهم السلام أو الملائكة في المنام أو في اليقظة على هيأتهم الأصلية التي خلقهم الله عليها؟ و جزاكم الله عنا كل خير. و السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته.  

الجواب:

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

أما في المنام فيجوز فيه رؤية الرسل والملائكة أما في اليقظة فلا، فإن الملائكة لا يرون إلا لأنبياء الله فقط لأن الوقوف على حقيقة الملك لا تكون إلا بوحي والوحي لا يكون إلا لنبي، هذا إذا كانوا في صورتهم الحيقيقية

اما التشكل فإن الملائكة يتشكلون بالصور الحسنة ،

الملائكة خلقت من نور – كما رواه مسلم ( 2996 ) – ولا يمكن لأحدٍ أن يدَّعي أنه رآها على صورتها الحقيقية إلا أن يكون نبيّاً يُصدَّق قوله ، وأما أن يراهم متشكلين على هيئات أحدٍ من البشر فيمكن هذا لعامة الناس وخاصتهم ، وقد جاء في السنَّة النبوية من ذلك كثير ، سواء في هذه الأمة أم في الأمم التي قبلها .

قال الشيخ عمر الأشقر ـ من علماء السعودية :

ولما كانت الملائكة أجساماً نورانيَّة لطيفة ؛ فإن العباد لا يستطيعون رؤيتهم ، خاصة أن الله لم يُعطِ أبصارنا القدرة على هذه الرؤية ، ولم يرَ الملائكةَ في صُوَرهم الحقيقية من هذه الأمَّة إلا الرسول صلى الله عليه وسلَّم ؛ فإنه رأى جبريل مرتين في صورته التي خلَقه الله عليها ، وقد دلَّت النصوص على أن البشر يستطيعون رؤية الملائكة إذا تمثَّلت الملائكة في صورة البشر . ” عالَم الملائكة الأبرار ” ( ص 11 ) .

فقد أرسل الله جبريل إلى مريم في صورة بشر رجل ، قال تعالى : وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا * فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا * قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا {مريم : 16 ـ 17 ـ 18 ـ 19 ـ }

وإبراهيم عليه السلام جاءته الملائكة في صورة بشر رجال، ولم يعرف أنهم ملائكة حتى كشفوا له حقيقة أمرهم ، قال تعالى :  هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ * فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ * فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ  {الذاريات: 24 ــ 28 }

وجاءوا إلى لوط في صورة شباب حسان الوجوه وضاق لوط بهم وخشي عليهم قومه فقد كانوا قوم سوء يفعلون السيئات ويأتون الذكران من العالمين ، قال تعالى :  وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ  {هود: 77 }
أما رؤية النبي صلى الله عليه وسلم  فقد ثبت في الصحيح أنه يمكن رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في المنام ، لقوله صلى الله عليه وسلم ” من رآني في المنام فقد رآني حقا، فإن الشيطان لا يتمثل في”، وغيرها من الأحاديث التي تثبت رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في المنام.

أما في اليقظة فلا، حيث  أجمعت الأمة على أن رسول الله قد مات، وقد قال الله تعالى: “”إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ” وبعد الموت لا خروج إلا على يوم القيامة قال تعالى: ” ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ* ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ {المؤمنون:15-16}.” وفي حديث البخاري: قال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تُخَيِّرُوا بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ الْعَرْشِ فَلَا أَدْرِي أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ أَمْ حُوسِبَ بِصَعْقَةِ الْأُولَى. فيفهم من هذا النقل أن الرسول هو أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة ولم يثبت أن الأرض تنشق له قبل يوم القيامة، قال ابن حزم في مراتب الإجماع: واتفقوا أن محمداً عليه السلام وجميع أصحابه لا يرجعون إلى الدنيا إلا حين يبعثون مع جميع الناس.  ف من يزعم أنه قد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقظة فإنه يكون قد ادعى أنه أحد صحابته صلى الله عليه وسلم، ويلزم من هذا عدم انقطاع الوحي، وأن الشريعة غير كاملة بدليل أن الوحي ما زال يتنزل بكون رسول الله يرى يقظة، وهذه الأمور إنما تلزم على إمكانية رسول الله يرى يقظة.

يقول الشيخ محمد صالح المنجد ـ من علماء السعودية:

رؤية النبي صلى الله عليه وسلم يقظة فهو من أقوال المخرفين من الصوفية ، ولا أصل له في الشرع ولا في واقع الحال ، وقد وقعت للصحابة رضي الله عنهم أمورٌ عظيمة بعد وفاته صلى الله عليه وسلم ، وكانوا في أمس الحاجة لوجوده بينهم ، فَلِمَ لمْ يظهر لهم ؟ ولم يروه وهو أحب الناس إليهم ، وهم أحب الناس إليه ؟!

وأما استدلال بعضهم بالحديث الذي في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من رآني في المنام فسيراني في اليقظة ) على إمكانية رؤية النبي صلى الله عليه وسم يقظة : فليس فيه ما يدل على ما قالوه ، بل هذا فيه البشرى لمن رآه في المنام أن يراه في الجنة ، وليس المعنى أنه يراه يقظة في الدنيا .

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله :

وشذ بعض الصالحين فزعم أنها تقع – يعني الرؤية – بعيني الرأس حقيقة .

” فتح الباري ” ( 12 / 384 ) .

وقال النووي رحمه الله في معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم : (فسيراني في اليقظة) : فيه أقوال :

أحدها : أن يراد به أهل عصره ، ومعناه : أن من رآه في النوم ولم يكن هاجر يوفقه الله للهجرة ورؤيته صلى الله عليه وسلم في اليقظة عياناً .

وثانيها : أنه يرى تصديق تلك الرؤيا في اليقظة في الدار الآخرة ؛ لأنه يراه في الآخرة جميع أمته .

وثالثها : أنه يراه في الآخرة رؤية خاصة في القرب منه وحصول شفاعته ، ونحو ذلك .

” شرح مسلم ” ( 15 / 26 ) .

ولا يتعارض ما ذكره النووي في القول الأول مع ما أنكره الحافظ ابن حجر ؛ لأن النووي ذكر أنه يراد به أهل عصره صلى الله عليه وسلم ، وما أنكره الحافظ إنما هو لمن زعم الرؤية حقيقة بعد وفاته صلى الله عليه وسلم .

وقال أبو العباس القرطبي – ردّاً على من قال برؤيته صلى الله عليه وسلم يقظة – :

وهذا يدرك فساده بأوائل العقول ، ويلزم عليه أن لا يراه أحد إلا على صورته التي مات عليها ، وأن يراه رائيان في آن واحد في مكانين ، وأن يحيا الآن ويخرج من قبره ويمشي في الأسواق ويخاطب الناس ويخاطبوه ، ويلزم من ذلك أن يخلو قبره من جسده ولا يبقى في قبره منه شيء ، فيزار مجرد القبر ويسلم على غائب ؛ لأنه جائز أن يرى في الليل والنهار مع اتصال الأوقات على حقيقته في غير قبره .

نقله عنه الحافظ ابن حجر في ” فتح الباري ” ( 12 / 384 ) .

وأيضاً لو كان صحيحاً أن أحداً يرى النبي صلى الله عليه وسلم يقظة لكان عداده في الصحابة ولاستمرت الصحبة إلى يوم القيامة .

وقد ذكر الحافظ ابن حجر العسقلاني أن ابن أبى جمرة نقل عن جماعة من المتصوفة ” أنهم رأوا النبي صلى الله عليه وسلم في المنام ثم رأوه بعد ذلك في اليقظة وسألوه عن أشياء كانوا منها متخوفين فأرشدهم إلى طريق تفريجها فجاء الأمر كذلك ” ! ثم تعقب الحافظ ذلك بقوله :

” وهذا مشكل جدّاً ، ولو حمل على ظاهره : لكان هؤلاء صحابة ، ولأمكن بقاء الصحبة إلى يوم القيامة ، ويعكِّر عليه أن جمعاً جمّاً رأوه في المنام ثم لم يذكر واحد منهم أنه رآه في اليقظة ، وخبر الصادق لا يتخلف .

” فتح الباري ” ( 12 / 385 ) .

وفي رد علماء اللجنة الدائمة على عقيدة التيجاني قالوا :

ولم يثبت عن الخلفاء الراشدين ولا سائر الصحابة رضي الله عنهم أن أحداً منهم وهم خير الخلق بعد الأنبياء ادعى أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يقظة ، ومن المعلوم من الدين بالضرورة أن التشريع قد أكمل في حياته صلى الله عليه وسلم ، وأن الله قد أكمل للأمة دينها وأتم عليها نعمته قبل أن يتوفى رسوله صلى الله عليه وسلم إليه ، قال تعالى : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً ) المائدة/3 ، فلا شك أن ما زعمه أحمد التيجاني لنفسه من رؤية النبي صلى الله عليه وسلم يقظة وأنه أخذ عنه الطريقة التيجانية يقظة مشافهة ، وأنه عيَّن له الأوراد التي يذكر الله بها ويصلي على رسوله بها لاشك أن هذا من البهتان والضلال المبين .

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 2 / 325 ، 326 ) .

وقالوا أيضاً :

فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما بلغ الرسالة وأكمل الله به دينه وأقام به الحجة على خلقه ، وصلى عليه أصحابه رضي الله عنهم صلاة الجنازة ، ودفنوه حيث مات في حجرة عائشة رضي الله عنها ، وقام من بعده الخلفاء الراشدون ، وقد جرى في أيامهم أحداث ووقائع فعالجوا ذلك باجتهادهم ، ولم يرجعوا في شيء منها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فمن زعم بعد ذلك أنه رآه في اليقظة حيا وكلمه أو سمع منه شيئا قبل يوم البعث والنشور فزعمه باطل ؛ لمخالفته النصوص والمشاهدة وسنة الله في خلقه ، وليس في هذا الحديث دلالة على أنه سيرى ذاته في اليقظة في الحياة الدنيا ؛ لأنه يحتمل أن المراد بأنه : فسيراني يوم القيامة ، ويحتمل أن المراد : فسيرى تأويل رؤياه ؛ لأن هذه الرؤيا صادقة بدليل ما جاء في الروايات الأخرى من قوله صلى الله عليه وسلم : ” فقد رآني ” الحديث ، وقد يراه المؤمن في منامه رؤيا صادقة على صفته التي كان صلى الله عليه وسلم عليها أيام حياته الدنيوية .

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 1 / 486 ، 487 ) .

وخلاصة ما سبق :

أنه لا يجوز لأحدٍ – بعد الأنبياء – أن يدَّعي رؤية الملائكة ؛ فهم أجسام نورانية لم يجعل الله تعالى في مقدور البشر رؤيتهم إلا إن تشكلوا .

ولا يجوز لأحدٍ أن يدَّعي رؤية النبي صلى الله عليه وسلم يقظة ، ولعل هذه الأوهام والخيالات كانت من بعض مَنْ ليس عنده علم شرعي ولا عقل ناضج فراح يتخيل ويتصور وجود ما لا حقيقة له .

والله أعلم .