السؤال:

هل يجب على المسلم تعلم العلوم الشرعية؟ وهل يعذر المسلم بالجهل لأحكام الشريعة ؟ وجزاكم الله خيرا

الجواب:

الأحكام الشرعية المقررة في الكتاب والسنة، والأمور التي انعقد الإجماع عليها لا يسع أحدا أن يخالفها بدعوى الجهل بها، فلا يُعد هذا الجهل عذرًا مسوغًا، وذلك لمن يقيم في الديار الإسلامية.
وهذا النوع من العلم هو الذي يسميه الشافعي رضي الله عنه [علم] عامة لا يسع أحدًا أن يجهله، وذلك لأن العلم قسمان، تولى النص بيانهما، ولنترك الكلمة للإمام العظيم، فهو يقول في رسالة الأصول:
“العلم علمان: علم عامة لا يسع أحدًا غير مغلوب على عقله جهله، مثل الصلوات الخمس، وأن لله على الناس صوم رمضان وحج البيت إذا استطاع، وزكاة أموالهم، وأنه حرم عليهم القتل والزنى والسرقة والخمر، وما كان في معنى هذا مما كلف العباد أن يعلموه ويعملوا به ويعطوه من أنفسهم وأموالهم، وما كان في معنى هذا مما كلف العباد أن يعلموه ويعملوا به ويعطوه من أنفسهم وأموالهم، وأن يكفوا عما حرم عليهم منه، وهذا الصنف كله من العلم موجود نصًا في كتاب الله تعالى، وموجود عامًا عند أهل الإسلام ينقله عوامهم عمن مضى من عوامهم، يحكونه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يتنازعون في حكايته ولا وجوبه، وهذا العلم هو الذي لا يمكن الغلط فيه من الخبر ولا التأويل ولا يجوز التنازع فيه”.
وبهذا يتبين أن هذا العلم هو المأخوذ من صريح الكتاب والسنة المتواترة، والمشهور من الأحاديث الذي انعقد على أحكامه إجماع المسلمين.
أما القسم الثاني فقد بينه الشافعي في الرسالة أيضًا، وسماه علم الخاصة، وهو ما ينوب العباد من فروع الفرائض، ولم يرد فيه نص صريح من كتاب أو سنة ولم ينعقد عليه إجماع.
وإن هذا النوع من العلم يختص به الفقهاء الذين عكفوا على الدراسات الفقهية، وهو درجة عالية يسع العامة أن يجهلوه ولا يسع الفقهاء أن يهملوه. وبهذا يتبين أن الأصول العامة للمحرمات والفرائض تعتبر كل مقيم في الديار الإسلامية على علم بها، ولا يعذر بالجهل به، إلا في حالة الاشتباه ولا يستثنى من ذلك الذميون الذين يقيمون في الديار الإسلامية. فلا يعذرون في الجهل بالحد والقصاص والديات وموجباتها، وغير ذلك مما يطبق عليهم من عقوبات تطبق على المسلمين، وذلك لأنهم يقيمون في الديار الإسلامية فيفترض فيهم مثلاً العلم بما يعلمه عامتهم من أن:
الزنى يوجب الحد، وغير ذلك من العقوبات مع موجباتها ، ولأنهم يقيمون مع المسلمين على أساس أن لهم ما للمسلمين، وعليهم ما عليهم.
وإن الأحكام التفصيلية التي تؤخذ بالاستنباط بالأقيسة وغيرها من طرق الرأي لا يعرفها كما ذكرنا إلا الخاصة من علماء الشرع المتخصصين.
.. هذا وإن الجهل بأحكام النصوص منه ما يكون عذرًا، ومنه ما لا عذر فيه، ولقد ضبط علماء الأصول ذلك في أقسام أربعة:
القسم الأول – جهل لا يعذر فيه صاحبه، ولا شبهة فيه كالردة بعد إيمان، وارتكاب ما نص القرآن نصًا قاطعًا على تحريمه معتقدًا حلة، وكذلك ما تواتر وثبت بالإجماع، فإن الجهل بهذا إثم، والإثم لا يبرر الإثم.
وقد ذكر علماء الأصول من ذلك جهل غير المسلم بالوحدانية، وجهله بالرسالة المحمدية إذ بلِغ الدعوة الإسلامية على الوجه الصحيح، وأقيمت الأدلة القاطعة بصدقها، فإنهم قالوا إن ذلك جهل لا يعذر صاحبه.
.. القسم الثاني – جهل يعذر فيه الشخص لأنه موضع اشتباه من حيث الدليل، وذلك يكون في الجهل بالمسائل التي يحتاج فهمها إلى ضرب من التأويل والتفسير، وتكون هي محتملة للتأويل، والحق فيها لا يتبين إلا بعد الفحص والتأمل..
.. القسم الثالث – الجهل في مواضع الاجتهاد، والجهل الذي لا تتوافر فيه أسباب العلم توافرًا تامًا، أو يكون الجهل معه شبهة أسقطت العقاب..
.. القسم الرابع – الجهل بالأحكام الإسلامية في غير الديار الإسلامية وهو جهل قوي إلى درجة أن جمهور الفقهاء قال إنه تسقط عنه التكليفات الشرعية، حتى إنه لو أسلم رجل في دار الحرب، ولم يهاجر إلى الديار الإسلامية، ولم يعلم أنه عليه الصلاة والصوم والزكاة، ولم يؤد فرضًا من هذه الفرائض، فإنه لا يؤديها قضاء إذا علم، وقال زفر يجب عليه أن يؤديها إذا علم، ووجهه أنه بقبوله الإسلام صار ملتزمًا أحكامه وعليه أداؤها، ويعذر إذا لم يؤدها في وقتها، ولكن إذا علم فحكم الالتزام ثابت، ويجب عليه قضاء ما التزم.
ووجهة جمهور الفقهاء، أن دار الحرب ليست موضع علم بالأحكام الشرعية، فلم تستفض فيها مصادر الأحكام، ولم تشتهر، فكان الجهل جهلاً بالدليل، والجهل بالدليل يسقط التكليف إذا لم يتوجه الخطاب.
وعلى ذلك يتميز هذا القسم عن بقية الأقسام السابقة، بأن الجهل هنا ليس عذرًا فقط، بل إنه مسقط للخطاب.
ويجب أن نقرر هنا أنه إذا كان الجهل ليس موضوعه أمرًا من الأمور التي تعد من أصول الإسلام الثابتة بالكتاب والسنة، بل كان أمرا هو موضوع اجتهاد واختلف فيه الفقهاء، واختار ولي الأمر الأخذ بأقوال بعض الأئمة، وأعلن ولي الأمر الأخذ به، فإن ذلك يكون موضوع عذر، حتى يشيع الإعلان بحيث لا يسع أحدًا أن يجهله” أ.هـ. كلام أبي زهرة.
أقول : هناك أمور معلومة من الدين بالضرورة، فهذه لا يعذر أحد بالجهل بها في دار الإسلام، فمن أنكرها أو جهلها كفر وبالتالي: لا يعتبر مسلمًا بسبب الجهل أو الإنكار، وفقهاء الحنفية يحكمون بكفره قبل أن يقر بها، فإذا أقر بها بعد البيان فكأنه أسلم من جديد ويرتبون على ذلك فساد نكاحه وبطلان حجه، وأما الشافعية فيقولون: لا يكفر بالجهل إلا بعد البيان فإذا أصر بعد البيان حكم بكفره.
وأما الجهل بالأحكام التي تعتبر معرفتها فريضة عينية على كل مسلم مما ليس من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة فهذه الجهل بها في دار الإسلام فسوق، والفتوى هي التي تحكم التقصير في العمل من وجوب التوبة وحدها أو وجوبها مع غيرها.
أما الجهل في غير دار الإسلام فإنه يعتبر عذرًا ما لم يكن تقصير، فلو افترضنا أن إنسانًا جاهلاً حدث إنسانًا كافرًا في غير دار الإسلام عن الشهادتين فنطق بهما ذلك المبلغ مؤمنًا بهما ولم يعلمه الآخر شيئًا ولا يستطيع هو أن يتعلم من مسلم آخر أو كان يجهل وسيلة تصل به إلى العلم فالعذر في حقه قائم.