السؤال:

مشهور بين المسلمين على مر العصور أنه لابد في آخر الزمان من ظهور رجل يؤيد الدين ، ويظهر العدل ، ويتبعه المسلمون ، ويُسَمَّى بالمهدي ، فهل نزوله ثابت في الصحيح .

الجواب:

بسم الله ، والحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد :

فلم يرد في الصحيح ما يدل على المهدي وما ورد لا يسلم من الضعف ، وقد انتظروا المهدي عبر القرون لكي ينتصر الإسلام به حتى صاروا أضعف الأمم ، على أن المهدي إن وجد لا يقوم إلا بالسنن الإلهية والأسباب الكونية وليس أمرا خارقا للعادة ، ولو ظهر ونحن له منكرون ما ضرنا ذلك ، فإن منكر المهدي لا يعد منكرًا لأصل من الدين.

يقول فضيلة الشيخ محمد رشيد رضا-رحمه الله-ردا على سؤال مماثل :

ليس في متن البخاري ذكر صريح للمهدي ، ولكن وردت فيه أحاديث عند غيره منها ما حكموا بقوة إسناده ، ولكن ابن خلدون عني بإعلالها وتضعيفها كلها ، ومن استقصى جميع ما ورد في المهدي المنتظر من الأخبار والآثار ، وعرف مواردها ومصادرها ؛ يرى أنها كلها منقولة عن الشيعة ، وذلك أنه لما استبد بنو أمية بأمر المسلمين وظلموا وجاروا وخرجوا بالحكومة الإسلامية عن وضعها الذي يهدي إليه القرآن وعليه استقام الخلفاء الراشدون ، وهو المشاورة في الأمر ، وفصل الأمور برأي أهل الحل والعقد من الأمة ، حتى قال على المنبر – مَنْ يُعَد مِنْ خِيَارِهم – وهو عبد الملك بن مروان : ( من قال لي : اتق الله ضربت عنقه ) لما كان هذا ، كان أشد الناس تألمًا له ، وغَيْرَةً على المسلمين – آل بيت النبي عليه وعليهم السلام – وكانوا يرون أنهم أولى بالأمر ، وأحق بإقامة العدل ، فكان من تشيع لهم يؤلفون لهم عصبية دينية يقنعونها بأن سيقوم منهم قائم مبشر به يقيم العدل ، ويؤيد الدين ، ويزيل ما أحدث بنو مروان من الاستبداد والظلم ، وعن هذا الاعتقاد صدرت تلك الروايات ، والناظر في مجموعها يظهر له أنهم كانوا ينتظرون ذلك في القرن الثاني ، ثم في الثالث ، وكانوا يعينون أشخاصًا من خيار آل البيت يرجحون أن يكون كل منهم القائم المنتظر فلم يكن.

وكان بعضهم يسأل من يعتقد أنه صاحب هذا الأمر فيجيبه ذاك بأجوبة مبهمة ، ومنهم من كان يتنصل ويقول : إن الموعد ما جاء ولكنه اقترب ، ومنهم من كان يضرب له أجلاً محدودًا ، ولكن مرت السنون والقرون ، ولم يكن ما توقعوا أن سيكون.

وقد جرت هذه العقيدة على المسلمين شقاءً طويلاً ؛ إذ قام فيهم كثيرون بهذه الدعوى ، وخرجوا على الحكام ، فسفكت بذلك دماء غزيرة ، وكان شر فتنها فتنة البابية الذين أفسدوا عقائد كثير من المسلمين ، وأخرجوهم من الإسلام ووضعوا لهم دينًا جديدًا ، وفي الشيعة ظهرت هذه الفتنة – وبهم قامت – ثم تعدى شرها إلى غيرهم ، ولا يزال الباقون منهم ومن سائر المسلمين ينتظرون ظهور المهدي ، ونصر الإسلام به ، فهم مستعدون بهذا الاعتقاد لفتنة أخرى ، نسأل الله أن يقيهم شرها.

ومن الخذلان الذي ابتلي به المسلمون أن هذه العقيدة مبنية عندهم على القوة الغيبية ، والتأييد السماوي ؛ لذلك كانت سببًا في ضعف استعدادهم العسكري فصاروا أضعف الأمم بعد أن كانوا أقواها ، وأشدهم ضعفًا أشدهم بهذه العقيدة تمسكًا وهم مسلمو الشيعة في إيران ، فإن المسألة عندهم اعتقادية أما سائر المسلمين فالأمر عندهم أهون ، فإن منكر المهدي عندهم لا يعد منكرًا لأصل من الدين.

ولو كانوا يعتقدون أنه يقوم بالسنن الإلهية والأسباب الكونية لاستعدوا لظهوره بما استطاعوا من قوة ، ولكان هذا الاعتقاد نافعًا لهم.

وجملة القول أننا لا نعتقد بهذا المهدي المنتظر ، ونقول بضرر الاعتقاد به , ولو ظهر ونحن له منكرون لما ضره ذلك إذا كان مؤيدًا بالخوارق كما يقولون .

والله أعلم .