السؤال:

ما موقف الشرع من عقد شراكة تجارية صورتها أن زيدا قال لعمرو: أعطني ألفي دولار على أن أشتغل بها في تجارة معينة ولك رأس مالك ونصف الأرباح . مع العلم بان عمرو لايشارك في العمل فهل هذه التجارة مشروعة؟

الجواب:

تعاون العمل ورأس المال :.
ربما قال قائل: إن الله وزَّع المواهب والحظوظ على الناس بقدر وحكمة، فكثيرًا ما نجد عند إنسان الكفاية والخبرة، ولا نجد عنده الكثير من المال، أو لا نجد عنده مالاً أصلاً، وبإزائه نجد آخر عنده المال الكثير، مع الخبرة القليلة، أو لا خبرة له . فلماذا لا يعطى صاحب المال ماله لصاحب الكفاية والخبرة، يعمل فيه ويستثمره، على أن يُجزي مقابل ماله بعائد محدد، وبذلك ينتفع ذو الكفاية بالمال، وينتفع الغنى بالكفاية، وبخاصة أن هناك مشروعات كبيرة تحتاج إلى مساهمة أفراد كثيرين بأموالهم، وفي الناس كثيرون عندهم فضل أموال، وليس عندهم الفراغ أو القدرة على استثمارها . . فلماذا لا تستغل هذه الأموال في تلك المشروعات الحيوية الكبيرة يديرها أناس من ذوي الدراية والخبرة ؟.
ونقول: إن شريعة الإسلام لم تمنع أن يتعاون رأس المال والخبرة أو المال والعمل كما يقول الفقه الإسلامي – ولكنها أقامت هذا التعاون على أساس عادل ومنهج سديد . فإذا كان رب المال قد رضيها شركة بينه وبين صاحبه، فعليه أن يتحمل مسئولية الشركة بكل نتائجها، ولهذا تشترط الشريعة الإسلامية في مثل هذه المعاملة التي سماها الفقهاء ” المضاربة ” أو ” القراض ” أن يشترك كل من الطرفين المتعاقدين في الربح إذا ربحا، وفي الخسارة إن خسرًا، ونسبة الربح والخسارة تكون وفق اتفاقهما . فلهما أن يجعلا لأحدهما النصف أو الثلث أو الربع، أو أدني من ذلك أو أكثر . وللآخر الباقي، وإذن يكون التعاون بين رأس المال والعمل تعاون الشريكين المتكافلين . لكل نصيبه من الغنم قل أو كثر . فإذا ربحا تقاسما الربح كما اشترطا . وإن خسرا كانت الخسارة من الربح . فإن استغرقت الربح وزادت أخذ من رأس المال بقدرها . ولا غرابة في أن يخسر رب المال جزءًا من ماله، كما خسر شريكه جهده وعرقه.
ذلك هو قانون الإسلام في هذه المعاملة . أما أن يُفرض لصاحب المال ربح محدد مضمون لا يزيد ولا ينقص وإن تضاعف الربح أو تفاقمت الخسارة فهذا مجافاة للعدل الصريح وتحيز لرأس المال ضد الخبرة والعمل . ومعاندة لقوانين الحياة التي تعطى وتمنع . وتشجيع لحب الكسب المضمون دون عمل ولا مخاطرة، وذلك هو روح الربا الخبيث.
وقد نهى النبي – صلى الله عليه وسلم – في المزارعة على الأرض (أخرجه مسلم) أن يجعل في العقد لأحدهما غلة مساحة معينة من الأرض، أو مقدار محدد من الخارج، كقنطار أو قنطارين مثلا، لما في ذلك من شبه بالمراباة والمقامرة، فقد لا تخرج الأرض غير المقدار المشروط أو لا تخرج شيئًا فيكون لأحدهما الغنم كله، وعلى الآخر الغرم كله، وهذا ما لا ترضاه العدالة.
هذا الشرط المفسد للمزارعة بالنص الصريح، هو في رأيي أصل لإجماع الفقهاء على الاشتراط في ” المضاربة ” ألا يحدد نصيب لأحدهما يضمنه على كل حال (نقل الدكتور محمد يوسف موسى في رسالة “الإسلام ومشكلاتنا الحاضرة” عن الشيخ محمد عبده والشيخ عبد الوهاب خلاف: أن هذا الاشتراط من الفقهاء في المضاربة لا دليل عليه من القرآن أو السنة ومال إلى رأيهما بقدر، ولكني أرى أن ما ورد في المزارعة يكفي أصلاً يقاس عليه هنا . والله أعلم)، ربحت الصفقة أم خسرت وتعليلهم فساد المضاربة هنا كتعليلهم فساد المزارعة هناك . فهم يقولون هنا: إنه إذا شرط أحدهما دراهم معلومة احتمل ألا يربح غيرها فيحصل على جميع الربح، واحتمل ألا يربحها . . فقد يربح كثيرًا فيستضر من شُرطت له الدراهم. (المغنى ج5 ص34).
وهذا تعليل موافق لروح الإسلام الذي يبني كل معاملاته على العدالة المحكمة الواضحة.