السؤال:

ما هي ضوابط بر الوالدين؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

الأخت الفاضلة:

احتوى سؤالك على ثلاثة مسائل فقهية، هي:

1- طبيعة العلاقة بين الأبناء والآباء الذين يأتون المعاصي التي قد تصل إلى حد الكبيرة، و هل يجب على الأبناء طاعة آبائهم بشكل مطلق؟

2- طبيعة العلاقة بين الوالد وبين النساء الأخريات غير أمك.

3- طبيعة العلاقة بين والدك ووالدتك.

المسألة الأولى: طبيعة العلاقة بين الأبناء والآباء:

من المقرر شرعا أن الإسلام أمر الأبناء ببر الوالدين، وأن البر منوط بما فيه طاعة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، أو ليس فيه مخالفة لشرع الله، ولا يجب على الأبناء طاعة آبائهم دائما، فالمنصوص عليه هو البر، وليس الطاعة، قال تعالى: ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) البقرة: 83، وقوله تعالى: ( وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) النساء: 36، و قوله سبحانه: ( قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا)، وكمنهج للمعاملة وخاصة وقت الكبر يقول تعالى :( وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) الإسراء:23-24.

و في البر يقول النبي صلى الله عليه وسلم :” بروا آباءكم ؛تبركم أبناؤكم، وعفوا تعف نساؤكم ” رواه الطبراني و الحاكم في المستدرك.

فالأصل هو البر والإحسان، وقد قال الإمام ابن الجوزي في تفسيره زاد  المسير: ووصينا الإنسان أن يفعل بوالديه ما يحسن فعله، أو ووصيناه أن يحسن إلى والديه، والإحسان أعم من البر.

ولكن ليست طاعة الوالدين دائمة على طول الخط، كما قال تعالى:( وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) العنكبوت :8، وقال أيضا :( وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) لقمان :15

فمنع القرآن طاعة الوالدين في المعصية، فهي ليست طاعة عمياء، فعليك أن تطيعي والدك فيما يطلب منك مما ليس بمحرم، ولكن يجوز لك ألا تبادريه بفعل شيء له، مالم يطلبه، على أن يكون ذلك إعلانا منك لرفض معصيته لله تعالى، وتجاوزه حدود الله، بل أجاز الفقهاء أن يقاطع القريب قريبه إن كان بسبب المعصية، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه آلى نساءه شهرا، وكذلك طلب النبي صلى الله عليه وسلم من الصحابة أن يقاطعوا الذين تخلفوا عن غزوة تبوك خمسين يوما، وطلب من نسائهم بعد مدة أن يتركوا بيوتهم وأن يذهبوا إلى بيوت آبائهم، إمعانا في المقاطعة، فيجوز لكم في البيت أن تقاطعوا والدكم بعد نصحه، فإن لم ينتصح ويرجع عن العلاقات المشبوهة مع النساء، جاز لكم مقاطعته، على أن تكون النية في ذلك هو المقاطعة لله؛ لأجل أنه يأتي ما حرم الله تعالى.

كما أنه يجب أن يدرك أن الأبناء وإن كانوا هم زرع آبائهم، إلا أن الأبناء عباد محاسبون أمام الله تعالى، وأن الولد بعد بلوغه محاسب عند الله قبل أن يكون محاسبا أمام والده، وأن نربط الأبناء بالله وليس بالآباء والأمهات، مع الحفاظ على ما شرع الإسلام من البر والإحسان للوالدين، وحسن المعاملة والتلطف في الحديث والسلوك، وهذا قاعدة عامة، أما في حال ارتكاب الآباء الكبائر وإتيان الفواحش، فواجب على الأبناء النصح والإرشاد، فإن لم يجد، كانت المقاطعة و الرفض لما يأتي الآباء والأمهات من سلوك تخالف شرع الله، وذلك أن طاعة الله تعالى مقدمة على طاعة الوالدين، وأن الشرع جعل طاعة الوالدين في الأحوال العامة هي جزء من طاعة الله، فإن انزلق الآباء في الفواحش والكبائر، فقد انتفت الولاية والطاعة لهم، ويبقى البر والإحسان والإرشاد وما قد يعالج هذا الخروج.

وإن كان ما تذكرينه صحيحا من كونه يتحرش بك، فإن هذا يبطل حقه في كثير مما أوجبه له الشرع، لأن الحفاظ على الدين مقدم على الإحسان للوالدين، وما أجيز؛ يحرم إن استعمل في غير حق، فما أدى إلى حرام فهو حرام، كما قال العلماء، على ألا يكون ذلك مجرد توهم وظن، إذ الظن لا محل له هنا.

المسألة الثانية: علاقة الوالد بالنساء الأخريات:

من المعروف شرعا أن علاقة الارتباط الاجتماعي في الإسلام بين رجل وامرأة تأخذ شكل الزواج، وأن الإسلام جاء وكان منتشرا بين الناس أشكالا متعددة من الزواج، فأبطلها وأبقى ما تعارف عليه الناس الآن، من أن يطلب الرجل الزواج بامرأة من أبيها، لتكوين أسرة؛ وفقا لعقد الزواج بما فيه من أركان وشروط شرعية، أما تلك العلاقات الأخرى من الزنى أو ما يتسمى بأسماء أخرى كالزواج السري، فلا يجوز شرعا، أما الزواج العرفي، فإن كان المقصود به توافر أركان الزواج من الولي والإيجاب والقبول والمهر والشهود والإشهار، لكن ينقصه التوثيق، فهو جائز شرعا، ويبقى التوثيق واجبا؛ لحفظ الحقوق وإثبات تلك العلاقة الاجتماعية التي من شأنها أن تكون في العلن لا في السر.

و المطلوب من الوالد أن يوضح علاقته بالنساء الأخريات، فيقر منها ما يوافق الشرع، وينتهي عما حرم الشرع من علاقات خاطئة، ولا يعني أن يكون له علاقة مع غير مسلمة أن تكون العلاقة حراما، فإن كانت من أهل الكتاب وتزوجها، فهذا يجوز له، أما العلاقة غير الشرعية فلا تجوز بحال.

المسألة الثالثة: طبيعة العلاقة بين الوالد والوالدة كزوجين:

فإنه من الواجب أولا أن نتثبت بما يقوم به الوالد، فإن كانت العلاقة مع غير الزوجة هي علاقة شرعية، فلا يجوز للزوجة أن تمنع نفسها عنه ، فليس تعدد الزوجات سببا يبيح للمرأة أن تمتنع عن زوجها، ولا أن تتقاعس في أداء واجباتها تجاهه.

أما إن تم التأكد من أن الزوج ( الوالد) يقيم علاقات غير شرعية، تصل إلى حد الزنى، ففي مثل هذه الحالة أرى أنه يجوز للمرأة ما يلي:

1- أن تطلب منه الكف عن هذه العلاقة، لحرمتها، وإلا كان من حقها أن تطلب الطلاق للضرر، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ” لا ضرر ولا ضرار”، الضرر هنا لا يتوقف على الضرر النفسي فحسب، وإن كان هذا ضررا معتبرا، ولكنه ضرر في الدين، ومن المعلوم شرعا أن الحفاظ على الدين أولى الضرورات الكلية التي دعا الشرع إلى الحفاظ عليها، بل لها أن ترفع دعوى قضائية لإجباره على الطلاق إن لم يتب عن مثل هذه العلاقة.

2-                كما أرى أنه يجوز لها الامتناع عن معاشرة زوجها ( الوالد) إن ثبت أنه يزني، إذا  ثبت فيه الضرر، وخاصة لما ذكر في السؤال من كونه يعاشر بعض غير المسلمات، فقد تصاب بمرض الإيدز، وإن كان الجماع حقا للرجل، فإن أداء الحق يجب ألا يتصادم مع إلحاق الضرر بالآخرين، ولا يستشهد هنا بما قاله النبي صلى الله عليه وسلم من وجوب استجابة المرأة زوجها لقضاء الوطر والشهوة، حين قال: “ما من امرأة يطلب زوجها منها حاجة فتأبى فيبيت وهو عليها غضبان إلا باتت تلعنها الملائكة حتى يصبح” رواه الطبراني، فإن هذا محمول على استقامة الحال، أما الذين ينتهكون محارم الله، ويأتون الفواحش والكبائر، فأولئك يجب أن يكونوا أهلا لاستيفاء الحق، قبل مطالبتهم به، شريطة ألا يكون مجرد اتهام بدون بينة واضحة.

وكما يذهب الشيخ جمال قطب – من علماء الأزهر الشريف – أنه لا يجوز للمرأة أن تمتنع عن حق زوجها في الجماع للزنى، لكن يمكن لها الامتناع المؤقت إن ظنت أنه يجدي، أو أنها تمتنع عنه ما لم يطلبها.

وخلاصة الأمر ما يلي:

أ‌- أن بر الوالدين والإحسان إليهما واجب، ولكنه لا تجب الطاعة في كل شيء.

ب‌- أن العلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة لا تكون إلا من خلال الزواج، وما سواه حرام، ويجب منع الحرام بأية وسيلة ممكنة.

ت‌- أنه يجوز للمرأة الامتناع عن زوجها إن ثبت ممارسته للزنى واستمراره عليه بما قد يضرها من إصابته بالإيدز أو غيره من الأمراض الناجمة عن الزنى ، كما يجوز لها طلب الطلاق أيضا، لممارسته الفاحشة.

والله أعلم.