السؤال:

قال أحد أصحابنا إنه تنبأ أن المحكمة ستبرئ متهمين في قضية ، فقلنا له : لا يعلم الغيب إلا الله ، فقال : إن لي حجة في قوله تعالى : [ إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ ] ، قلنا : لست برسول ، فقال : يقصد برسول هنا في اللغة ما يعم ، لا النبي المرسل المصطلح عليه فقط ، فناقشناه فلم يقتنع ، نرجو بيان الحق في المسألة .

الجواب:

بسم الله ، والحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد :

فيقول فضيلة الشيخ محمد رشيد رضا-رحمه الله-ردا على سؤال مماثل :

قوله تعالى : [ عَالِمُ الغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ ]( الجن : 26-27 ) يراد بالرسول فيه : النبي المرسل المبلغ عن الله تعالى دينه بدليل قوله تعالى في الآية التي بعد هذه : [ لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِم ](الجن : 28) فقول صاحبكم : إن لفظ الرسول هنا عام يشمل النبي المرسل وغيره باطل لا وجه له ويا ليتكم سألتموه عن هذا العموم اللغوي أيدخل فيه كل رسول أرسله إنسان في حاجة له أم يشمل بعض رسل الناس دون بعض ؟ وما معنى العموم حينئذ ؟ وإننا لنعلم أن كثيرًا من الذين أخذوا بعض قشور العلم يحرفون كل كلام حتى كلام الله تعالى ليؤيدوا دعاويهم أمام الناس ، وأن هذا من أكبر أبواب الفساد الذي طرأ على العلم والدين , ولكنهم كانوا يحرفون ويأولون ما يحتمل ذلك بحسب اللفظ في الجملة ، وما رأينا أحدًا تجرأ مثل صاحبكم على تحريف القطعي تفسيرًا للقرآن برأيه وهواه نعوذ بالله , ولو صح أن يكون مثل هذا رسولاً لما كان ممن ارتضى الله .

ثم إن المراد بالغيب الذي يظهر الله من ارتضى من رسله عليه هو : عالم الآخرة فقد أظهرهم على أمر الحساب والجزاء ، وأعلمهم بأن هناك دارًا للنعيم ، ودارًا للعذاب وأطلعهم على عالم الملائكة…الخ ما أبلغوه من رسالات ربهم كما هو منصوص في الكتاب العزيز ، وليس معناه أن الله تعالى يطلع الرسل على ما غاب من أمر العباد وما يجري لهم في الدنيا من رزق ونعيم وبلاء وغير ذلك ، والدليل على أن هذا غير مراد ما أمر الله تعالى خاتم النبيين أن يبلغه للناس عن نفسه بقوله : [وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ]( الأعراف : 188 ) وما حكاه أيضًا عن غيره من رسله ، كقوله عن لسان نوح عليه السلام : [ وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلاَ أَعْلَمُ الغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ ]( هود : 31 ) الخ ، وأمر نبينا بمثل هذا في سورة الأنعام.

والله أعلم .