السؤال:

إن أحد المخالفين اعترض على قوله تعالى : [ فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ](الأعراف : 190) ، قال ما حاصله : إن قوله تعالى : [ جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاءَ ]يُشعر بأن آدم وحواء عليهما السلام كانا مشركين ، وقال: لا بد من تصحيح الآية على ظاهرها فإن كان فيه وجه آخر غير ما ذكر في التفاسير فعليكم بيانه ؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد :

فمن أسلوب القرآن انتقاله من ذكر الآيات الكلية إلى الوقائع الجزئية التي لها أثر عام في عقائد البشر وأخلاقهم ويبني عليها الأحكام العامة ، وقد انتقل هنا من ذكر خلق الزوجين إلى ما يقع لهما ولنسلهما من الكفر بالنعمة وليس في ظاهر الآية ونصها ما يدل على شرك آدم وحواء ، كذلك فإن السياق صريح في الاحتجاج على مشركي قريش ومن على شاكلتهم والنعي عليهم بما كانوا عليه من الشرك.

فيقول فضيلة الشيخ محمد رشيد رضا- رحمه الله- ردا على سؤال مماثل :

لك أن تحل الآية بهذا التفسير : الله [ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ] (الأعراف : 189) في جنسها وهي الروح التي تتصل بالأبدان فتحييها بعد موتها [ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ] أي : جعل لها زوجًا من جنسها وذلك بعد دخولها في عالم الأجسام .. وإلى هذا التراخي أشار بقوله تعالى في سورة الزمر : [ خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ](الزمر : 6) أي : جعل تلك النفس الواحدة زوجين ذكرًا وأنثى كما قال في سورة النجم:[ وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى * مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى ](النجم : 45-46) ثم بيَّن علة جعل الزوج من جنس الزوج فقال: [ لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ] وسكون كل من الزوجين إلى الآخر معروف بالطبع لجميع البشر فلا حاجة للإشعار به ، ويؤيد هذا التفسير قوله تعالى : [ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ](الروم : 21) .

وقد علمنا من أسلوب القرآن البديع أنه ينتقل من ذكر الآيات الكلية إلى ذكر الوقائع الجزئية التي لها أثر عام في عقائد البشر وأخلاقهم كما يذكر الوقائع الجزئية أحيانًا ويبني عليها الأحكام العامة ، وقد انتقل هنا من ذكر خلق الزوجين وبيان الحكمة في ذلك إلى ما يقع لهما ولنسلهما من الكفر بالنعمة ، والجهل بتلك الحكمة ، فقال في ذلك الزوج المبهم مع زوجه : [ فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ ](الأعراف : 189) ظاهر أن المراد بالتغشي ما يكون سبب الحمل وأصله التغطية وفيه من النزاهة ما ترى ، ومرت به بمعنى استمرت على حالها قبل الحمل [ فَلَمَّا أَثْقَلَت ] بالحمل وأصابتها الشدة ووهم الإسقاط والإجهاض [ دَّعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا ] قائلين : [ لَئِنْ آتَيْتَنَا ] ولدًا أو نسلاً صَالِحًا [ لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ] لنعمتك ، المؤمنين بأن الخير كله بيدك ، [ فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا ](الأعراف : 190) بأن نسبا ذلك إلى تأثير ما يسمى سببًا وما لا يصلح أن يكون سببًا من الأمور الموهومة كالأصنام ونحوها وغفلا عن المؤثر الحقيقي الذي بيده أزِمَّة الأسباب وهو الفاعل المختار فسرى هذا الشرك في ولدهما [ فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ] وهذه الآية كقوله تعالى : [ فَإِذَا رَكِبُوا فِي الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى البَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ](العنكبوت : 65) ، هذا الذي قلناه في معنى الآية ظاهر لا إشكال فيه ولا اعتراض عليه .

وإنما جاء الإشكال من تفسير النفس الواحدة بآدم وزوجها بحواء مع اعتقاد عصمة آدم من الشرك ، وليست الآيات نصًّا ولا ظاهرًا في ذلك ، ويؤيد قولنا تتمة السياق وهو قوله تعالى : [ أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ * وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ * وَإِن تَدْعُوَهُمْ إِلَى الهُدَى لاَ يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوَهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ * إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوَهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ * إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ ](الأعراف : 191-196) .

فهذه الآيات الناطقة بأبلغ الحجج على نفي الشرك وبطلانه وفساد آراء منتحليه من مشركي العرب الذين كانوا يعتزون بأصنامهم ويستنصرون بها على النبي عليه الصلاة والسلام لا يمكن أن تكون فاتحتها قد نزلت في الاحتجاج على آدم وحواء والنعي عليهما ما كانا عليه من الشرك المجهول – إن كان – إذ السياق صريح في الاحتجاج على مشركي قريش ومن على شاكلتهم ولذلك حمل بعض المفسرين النفس على قصي وكانت زوجه قرشية مثله ومن الشرك فيما آتاهما الله من الولد أن سميا أولادهما الأربعة بعبد مناف وعبد العزى وعبد قصي وعبد اللات ، وإلا ظهر ما قلناه من التعميم .

فإن قيل : هل من جواب معقول عن الآية على القول بأن المراد بها آدم وحواء ؟

أقول : إن أمثل ما يقال إذًا فيها هو ما جاء في الرواية وهو أنهما سميا ولدهما عبد الحرث فقد روى أحمد والترمذي والحاكم من حديث سمرة بن جندب مرفوعًا : ( لما ولدت حواء طاف بها إبليس وكان لا يعيش لها ولد فقال لها : سميه عبد الحارث فإنه يعيش فسمته بذلك فعاش فكان ذلك من وحي الشيطان وأمره ) وأراد بالحارث نفسه فإنه كان يسمى به بين الملائكة ، وفي الحديث مقال وإن حسنه الترمذي وصححه الحاكم وكم صحح الحاكم ضعيفًا وموضوعًا وقد أطال الرازي في رد كون الآية في آدم وحواء ، وإن سلمنا بالصحة نقول : إن الذنب على حواء وإنما أسند إليها مع زوجها ؛ لأنهما متكافلان وكان ينبغي له أن ينهاها عن هذه التسمية وليس ذلك شركًا حقيقيًّا ؛ لأنها لم تكن تعتقد بأن الحارث إله ولكنه صورة للشرك فأطلق عليه اسم الشرك مبالغة في الزجر .

والله أعلم .