السؤال:

أصدرت بعض الحكومات في الآونة الأخيرة قانونًا بشأن إيجار المساكن ، حددت فيه العلاقة بين المؤجر والمستأجر ، ولم تجز الزيادة في الأجرة إلا بنسبة معينة في مدة معينة ، كما لم تجز للمالك إخراج المستأجر إلا في حدود وبشروط خاصة . فهل تجيز الشريعة الغراء للحكومة المسلمة أن تصدر مثل هذا القانون ؟ وهل يجب على الشعب التقيد به شرعًا ؟ أم هل يجوز لبعض الناس الخروج على هذا القانون ، وعدم التقيد به بدعوى أنهم أحرار التصرف في أملاكهم ؟ مع أن هؤلاء الناس في ظاهرهم متدينون ، ويصلون ويصومون ، ويحجون ويعتمرون . نرجو التكرم ببيان رأي الشرع في مثل هذا الموقف ، حتى نعرف ويعرفوا الحلال من الحرام .. وشكرًا .

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد
فالأحكام في الشريعة الإسلامية نوعان، نوع ثابت لا يقبل الاجتهاد ولا التجديد لا من الحاكم ولا من المحكوم، وهذا كالعقائد والعبادات وأصول التشريع، وغيرها، وهذا لا يملك الحاكم تغييره ولا تبديله، وإن غيره أو بدله فلا طاعة للرعية له في أمر يهدم ثابتا من ثوابت الدين.
والنوع الثاني وهو المتغير الذي يتغير باختلاف الظروف والأحوال والعادات وكذلك المباحات فللحكام ـ بعد الرجوع لأهل الحل والعقد وبمراعاة مصالح الناس ودون الخروج أو الاصطدام بالثوابت ـ لهم أن يغيروا هذه الأحكام أو يقيدوا المباح أو يقننوا المصالح وعلى الرعية السمع والطاعة في هذه المسألة .

يقول فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي:

إن من خصائص الشريعة الغراء أن في أصولها وقواعدها من المرونة والسعة ومراعاة الواقع، ما يجعلها كفيلة بمواجهة كل جديد من أطوار الحياة ومشكلاتها، بالعلاج الناجح، والحل الحاسم العادل .

وقد أدرك فقهاؤنا – رحمهم الله – حتى في العصور المتأخرة هذه المزية الظاهرة للشريعة، وهي (المرونة) و(الواقعية) فلم يجمدوا كالصخر أمام تطورات الحياة، وتغير أخلاق الناس، الذي يعبرون عنه بفساد الزمان، ولهذا وسعوا على القضاة والحكام في أمور السياسة الشرعية وتدبير أمر الرعية، بما يحقق العدل، ويرفع الظلم، ويقطع دابر الفساد .

لقد أمر الله عز وجل بالعدل، ومن أسمائه الحسنى ” الحكم العدل ” فكل ما يحقق العدل بين الناس، وكل ما يزرع المحبة والطمأنينة والثقة بينهم، أمر يحبه الله ويأمر به دينه وشريعته (قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ) (الأعراف: 29)، ومن واجب الدولة المسلمة أن تحرص عليه وتتحرى إقامته في البلاد .

ومن واجب الرعية أن يطيعوا هذا الأمر، ويسمعوا له، فالدين يأمرهم بهذا، فقد خاطب الله تعالى المؤمنين بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ). (النساء: 59) .

وطاعة أولي الأمر إنما تكون في المعروف، وفيما ليس معصية، ذلك لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق .

والقانون الصادر من أجل مصلحة المجتمع، ومن أجل إقامة الحق والعدل فيه فهذا يجب طاعته دينًا، ومن خالفه، شأنه شأن من خالف أي أمر من أوامر الدين.

ومن هنا جاء في الحديث الصحيح المتفق عليه عن النبي – صلى الله عليه وسلم -: ” السمع والطاعة حق على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة “.

فانظر هنا إلى النبي – صلى الله عليه وسلم -: ” فيما أحب وكره “.

فإن بعض الناس يسمع ويطيع إذا كان الأمر في مصلحته . أما إذا تعارض مع مصلحته وأهوائه الشخصية، فإنه يعصي أو يتحايل على القانون ليفلت من قيوده المنصوص عليها . . وكأنه يريد من القوانين أن توافق هواه دائمًا وألا تتعارض مع مصلحته الخاصة في بند من بنودها .

إن مصالح الناس ورغباتهم كثيرًا ما تتعارض وتتضارب، ومهمة ولي الأمر هي المحاولة للتوفيق بين المصالح، والموازنة بين المنافع والمضار، فالقانون الذي يحقق منفعة لأكبر عدد من الناس هو الذي يتفق مع العدل، ولذلك كان سيدنا عمر وغيره من الصحابة يفعلون هذا بحكم السياسة الشرعية، ويبتغون دائمًا تحقيق المصلحة لأكبر عدد من الناس . فمثلاً رأي عمر أن الذبائح أقل من حاجة المستهلكين، فحرم على الجزارين أن يذبحوا في يومين متتاليين، لتتوافر الذبائح في بقية الأيام . . فولي الأمر من حقه أن يقيد بعض المباحات إذا كان في ذلك مصلحة راجحة . . ومن هنا كان عمر يذهب بنفسه إلى مجزرة الزبير بن العوام ويراقب ليتأكد أن أحدًا لم يذبح في اليوم الذي يحظر فيه الذبح . . ذلك من أجل أن تتوافر اللحوم في الأيام الأخرى .

وهكذا نجد أن القوانين التي تُسن لتحقيق مصالح الناس، ولتحفظ بينهم الأمن والاستقرار يجب طاعتها والعمل بمقتضاها . أما أن يأتي بعض الناس ويقول: أنا حر في ملكي – أتصرف فيه كما أشاء، ولو أدي ذلك إلى مخالفة القانون . . هذا بطبيعة الحال خطأ فالإنسان ليس حر التصرف بحيث يفعل في ماله ما يشاء . . ولعل هذه هي النظرية التي قالها قوم ” شعيب ” حينما قال لهم: (أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ) (هود: 85). فقالوا له حينئذ: (يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ). (هود: 87)

وظاهر أن منطقهم منطق أعوج . . وهذه هي الرأسمالية الباغية، التي تعطى لصاحب المال الحرية المطلقة للتصرف في ماله كما يشاء . . أما الإسلام فغير هذا تمامًا . . فالحقيقة أن الإنسان مستخلف في ماله، وهذا أساس فكرة الاستخلاف في الاقتصاد الإسلامي، ومفادها أن الإنسان ليس مالكًا حقيقيًا للمال، فالمال مال الله، وإنما هو مستخلف فيه، يعني أنه وكيل فيه – استخلفه الله ووكله على هذا المال، ليرعاه، وينفق منه في الوجوه الشرعية، ولهذا يقول تعالى: (وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ) (الحديد: 7). فالمال حقيقة مال الله، كما قال تعالى: (وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللهِ الَّذِي آتَاكُمْ) (النور: 33). (وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُمْ). (آل عمران: 180)

من الذي خلق المال ؟ من خلق مادته ؟ وهيأه للانتفاع به ؟ إنه الله .

إذا زرعت زرعا، فمن الذي أنبته ؟ (أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ) (الواقعة: 64) . من الذي فجر الماء من الأرض ينبوعًا، أو أنزله من السماء أمطارًا ؟

من الذي جعل النبته في الأرض تأخذ مقادير معينة محددة من الغذاء والأملاح، فتكون هذه حلوة، وهذه مرة، وهذه مالحة ؟ إنه الله .

كذلك إذا كنت تاجرًا، من الذي سخر الرياح تجري في الأرض، والفلك تجري في البحار، ومن الذي سخر الناس ليشتروا منك ويبيعوا لك ؟ إنه الله .

وهكذا . . فالمال، والأسباب التي يأتي عن طريقها المال، كلها من الله وبتسخير منه سبحانه . ..

إن المال – باعتبار الأصل – هو مال الله . وادعاء الإنسان بأن المال ماله هو ادعاء باطل .

وهو – باعتبار آخر – مال الجماعة أيضًا . فقد أسهمت الجماعة كلها ولا شك في تكوينه وتنميته، بجهود مباشرة وغير مباشرة، منهم من ساهم من قريب، ومنهم من ساهم من بعيد . والمرء وحده لا يستطيع أن يزرع ولا أن يصنع، ولا أن يتاجر، فلولا المجتمع ما كان الفرد . ومن هنا نفهم سر إضافة الأموال إلى جماعة المخاطبين في قوله تعالى في سورة النساء: (وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ). (النساء: 5) .

أي إذا كان هناك سفيه، يتصرف في المال بغير وعي وبغير عقل، يبعثره ذات اليمين وذات الشمال، فهذا يجب أن يحجر عليه، فلا يعطي ماله . ولكن حينما يعبر القرآن عن هذا المعنى قال: (وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ. .) مع أن العقود الرسمية تنص على أنها ” أموالهم ” ولكن المعنى المراد: أنها أموال الجماعة المسلمة، لأن السفيه إذا بدد ماله فإنما يبدد مال الجماعة كلها، والضرر لا يعود على الشخص وحده بل يشمل المجموعة من حوله ومن ورائه .

ومن هنا كانت عناية الإسلام بالأموال، فالذي يقول: إن هذا مالي وأنا حر فيه، ولا أحد يقيدني . . مخطئ فيما يقول . . وهو يرتكب حرامًا إذا خالف هذا القانون ؟ لأنه صاحب قوة أو صاحب نفوذ . . بل عليه أن يطيع القانون ويمتثل لأمر الدولة في هذا الشأن، لأنه من الطاعة المعروفة .

إن الدين يأمر بحسن المعاملة، حتى اشتهر بين المسلمين أن ” الدين المعاملة ” وهذا يقتضيك ألا تظلم أحدًا بل أن تحاول الإحسان إلى غيرك من الناس .

إن الذين يخالفون القانون الذي يحفظ الحقوق ويقر العدل ويقيم ميزانه هؤلاء يعتبرون شرعًا مخالفين للدين نفسه، لأن الدين يأمر بطاعة مثل هذه القوانين التنظيمية ما دامت بالمعروف وفي غير معصية، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .

والله أعلم