السؤال:

لماذا لم ينص الشارع على حد اللواط صراحة مع منافاته لأصل الطبيعة وفظاعته عند سائر الأمم؟ وما سبب انتشاره برغم تقدم العالم ومدنيته؟

الجواب:

بسم الله ، والحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد :

فقد وردت عقوبة اللواط في القرآن إجمالا بلفظ الإيذاء ، ثم جاء بيان هذا الإيذاء في السنة بقتل الفاعل والمفعول ، كذلك ورد في بعض الآثار وأقوال الفقهاء أن حد اللواط الرجم أو الجلد ، وسبب انتشار اللواط الترف واتباع الشهوات ، وعلاجه يكون بالتربية الدينية الصحيحة وكماله بإقامة الحدود .

ويقول فضيلة الشيخ محمد رشيد رضا-رحمه الله-ردا على سؤال مشابه :

فقد ورد في اللواط من التشديد والعقوبة في السنة نحو ما ورد في الزنا وورد فيه عن الصحابة القتل والرجم والإحراق بالنار .

أما الوارد في القرآن فالمجمل منه يشمل الفاحشتين ،والتفصيل جاء في الزنا ومن العلماء مَن قال إنه يشمل اللواط أما كون المجمل ورادًا في الفريقين ، فهو أنه تعالى قال أولاً : [ وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الفَاحِشَةَ مِن نِّسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنّ ]( النساء : 15 ) الآية ثم قال : [ وَالَّلذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا ]( النساء : 16 ) الآية ، فتثنية ( الذي ) لا يجوز أن يراد بها الرجلان اللذان يزنيان لأنها تكون لغوًا فتعين أن يراد بها فاعِلا اللواط أو الزاني واللائط كما قال مجاهد وأبو مسلم وغيرهما وبه أخذ الشافعي .

وهذا الإيذاء مُجْمَل بَيَّنَتْه السُّنَّة :قال عليه الصلاة والسلام : ( من وجدتموه يعمل بعمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول ) ورواه أحمد وأصحاب السنن والدارَقُطني والحاكم والبيهقي والضياء عن ابن عباس ، وفي رواية لأحمد عنه : ( اقتلوا الفاعل والمفعول به في عمل قوم لوط والبهيمة والواقع على البهيمة ومن وقع على ذات محرم فاقتلوه ) ، وقال صلى الله عليه وسلم : ( ارجموا الأعلى والأسفل ، ارجموهما جميعًا ) رواه ابن ماجه عن أبي هريرة ، وقال صلى الله عليه وسلم: ( من عَمِلَ بعَمَلِ قوم لوط فارجموا الفاعل والمفعول به ) الحاكم عن أبي هريرة وروى مثل ذلك عنه الخرائطي في مساوي الأخلاق وابن جرير .

هذا بعض ما ورد في الأخبار وأما الآثار :فقد روى الشافعي وابن أبي شيبة وسعيد بن منصور في سننه وابن أبي الدنيا في ذم الملاهي والبيهقي عن يزيد بن قيس أن عليًّا رجم لوطيًّا ، وروى ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي وابن المنذر وابن بشران والبيهقي عن محمد بن المنكدر أن خالد بن الوليد كتب إلى أبي بكر الصديق أنه وُجِدَ رجل في بعض ضواحي بلاد العرب يُنْكَحُ كما تُنكح المرأة وأن أبا بكر جمع لذلك ناسًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فيهم علي بن أبي طالب أشدهم يومئذ قولاً ، فقال : إنَّ هذا ذنب لم تعمل به أمة من الأمم إلا أمة واحدة فصُنِعَ بها ما قد علمتم أرى أن تحرقوه بالنار ، فكتب إليه أبو بكر أن يُحرق بالنار ، وروى الطبراني عن سالم بن عبد الله وأبان بن عثمان وزيد بن حسن أن عثمان بن عفان أُتي برجل قد فجر بغلام من قريش فقال عثمان : أُحْصِن ؟ قالوا : قد تزوج بامرأة ولم يدخل بها بعد فقال علي لعثمان : لو دخل بها لحل عليه الرجم فأما إذا لم يدخل بها فاجلدْه الحد ، فقال أبو أيوب : أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الذي ذكر أبو الحسن ، فأمر به عثمان فجُلد .. وهذا الأثر أقوى من الذي قبله .

وأما أقوال السلف والفقهاء في ذلك :فقد جاء في ( الزواجر ) من ذلك ما نصه :  قال البغوي : اختلف أهل العلم في حد اللوطي فذهب قوم إلى أن حد الفاعل حد الزنا إن كان محصنًا يُرجم وإن لم يكن محصنًا يُجلَد مائة وهو قول ابن المسيب وعطاء والحسن وقتادة والنخعي وبه قال الثوري والأوزاعي وهو أظهر قولي الشافعي ويحكى أيضًا عن أبي يوسف ومحمد بن الحسن ، وعلى المفعول به – عند الشافعي على هذا القول – جلد مائة وتغريب عام رجلاً كان أو امرأة ، محصنًا كان أو غير محصن ، وذهب قوم إلى أن اللوطي يرجم ولو غير محصن رواه سعيد بن جبير ومجاهد عن ابن عباس وروي عن الشعبي وبه قال الزُّهْري وهو قول مالك وأحمد وإسحاق ، وروى حماد بن إبراهيم عن إبراهيم – يعني النخعي – قال : لو كان أحد يستقيم أن يرجم مرتين لرُجم اللوطي ، والقول الآخر للشافعي إنه يُقتل الفاعل والمفعول به كما جاء في الحديث … ثم قال صاحب ( الزواجر ) : ( قال الحافظ المنذري : حَرَقَ اللوطية بالنار أربعة من الخلفاء : أبو بكر وعلي وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهم وهشام بن عبد الملك ) ، ثم ذكر ما كتبه خالد إلى أبي بكر وقد تقدم آنفًا ، أما ما ورد في وعيد فاعل هذه الفاحشة فكثير ، وقد شنَّع ابن حجر على مَن يأتيها من المترفين ، ولعنهم كما يلعنهم جميع المؤمنين .

وقد وصفوا من شناعة هذه الجريمة ولكنهم لم يذكروا أعظم مضرة لها وأقبح غائلة من غوائلها ، وهي إفساد البيوت فقلما يوجد بيت للوطي طاهر من الفسق وإنما يعم الفسق كباره وصغاره ونساءه وأطفاله ، ومع هذا كله نرى أناسًا يزنون بالهنات ، ويغلبون حب البنين على البنات ، وهم يصفون أنفسهم بأنهم من الأدباء والشعراء وتستخدمهم الحكومة ويحترمهم سائر الناس ، فَتَبًّا لهذه الأخلاق ، ولهؤلاء الجبناء الذين ليس لهم خلاق !

وأما سبب فشو هذه الفاحشة :فسببه الترف واتباع خطوات مدنية أوربا في التمتع بالشهوات واللذات وأما فشوه في المدارس ونحوها فسببه بُعد الرجال هناك عن النساء وتعذُّر الإفضاء إليهن .

وليس لهذه المفسدة وأمثالها علاج إلا التربية الدينية الصحيحة وكماله بإقامة الحدود ، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم .

والله أعلم .