السؤال:

خصص أحد المواطنين أرضا وسط عاصمة إحدى المحافظات لبناء مسجد عليها من ماله، وخصص لهذا المسجد مبلغا ضخما من المال وأعد له الرسومات والتخطيطات اللازمة، وبدأ فعلا في تنفيذه إلا أن المنية عاجلته قبل الانتهاء منه، فقام ورثته ( زوجته وأولاده ) باستكمال هذا المسجد. والسؤال : ما حكم الشرع في الآتي: (أ) ما مدى التزام المورث في إقامة المسجد؟ وهل كان يجوز له العدول عنه بعد أن وجه هذا المبلغ إلى إقامة المسجد، وهل يعتبر هذا ضربا من ضروب الوقف على إنشاء بيت من بيوت الله لا يجوز الرجوع فيه؟ (ب) ما مدى التزام الورثة بإتمام هذا المسجد؟ هل هو مجرد التزام أدبي بإتمام ما بدأه مورثهم؟ أم أنه التزام قانوني انتقل إليهم بنشأة هذا الالتزام في ذمة المورث قبل وفاته وانتقاله إليهم كخلف عام تتحمل به التركة؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

جمهور الفقهاء ( المالكية والحنابلة والشافعية وأبويوسف من الحنفية ) يرون أن المسجد يصير وقفا بمجرد قول الواقف: جعلت هذه الأرض مسجدا، ونحو هذا من الألفاظ، وعلى هذا فلم يكن بوسع هذا الرجل شرعا العدول عن إتمام المسجد، وعلى الورثة إتمام المسجد من المبلغ المرصود له، فإن قصر المبلغ عن الإتمام فعليهم أن يتموه من التركة على أن لا يزيدوا عن الثلث إلا إذا أذن الورثة بالزيادة.

يقول الشيخ أحمد هريدى مفتي مصر الأسبق- رحمه الله-:

ظاهر مما جاء بالطلب أن المواطن صاحب التصرف موضوع الاستفتاء قد خصص قطعة أرض لتكون مسجدا ولإقامة مسجد عليها من ماله، وأنه خصص مبلغا ضخما من المال لبناء المسجد على قطعة الأرض المشار إليها وأعد له الرسومات والتخطيطات اللازمة وبدأ فعلا في تنفيذه.

وقد اختلف فقهاء الحنفية فيما يتم به الوقف،

وهل يشترط في تمامه واعتباره وقفا أن يسلمه الواقف لجهة الوقف أولا يشترط ذلك؟ فذهب الإمام محمد بن الحسن وهو رأي الإمام أبى حنيفة إلى أن الوقف لا يتم إلا بالتسليم، والتسليم في كل شيء بحسبه، ويكون في المسجد بأن يإذن الواقف للناس بالصلاة فى المسجد ويصلى الناس فيه بالفعل.

وذهب الإمام أبو يوسف إلى أن الوقف يتم بمجرد القول وصدور الهبة من الواقف متى كان أهلا للتصرف وتوفرت سائر الشروط الواردة فقها دون حاجة إلى التسليم، فلو قال جعلت هذه الأرض مسجدا أو أقام مسجدا للصلاة صارت الأرض والبناء مسجدا ولو لم يصل فيه بالفعل.

جاء فى أحكام الوقاف للإمام الخصاف صفحة (113) ما يأتي:

(قلت) أرأيت إذا جعل الرجل داره مسجدا أو بناها كما تبنى المساجد وأذن للناس فى الصلاة فيها وأشهد على ذلك أنه قد جعله مسجدا لله قال فهو جائز.

وقال أبو حنيفة إذا أذن في الصلاة فيه فصلى فيه فقد صار مسجدا.

وقال غيره إذا أشهد عليه أنه قد جعله مسجدا فقد صار مسجدا وإن لم يصل فيه.

والمراد بالإشهاد القول والإعلان أمام الناس، وليس المراد به التوثيق لأن التوثيق ليس شرطا مطلقا باتفاق الفقهاء في وقف المسجد.

وجاء في الإسعاف فى أحكام الوقاف ما يأتي قال أبو يوسف رحمه الله ليس التسليم بشرط فى المسجد ولا فى غيره من الأوقاف، فإذا قال جعلت هذا المكان مسجدا وأذن للناس بالصلاة فيه يصير مسجدا.

ورأى أبي يوسف هو الذي يجري عليه العمل فى القضاء الشرعي وهو يوافق آراء الأمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد في وقف المسجد وصرح بأنه الراجح المفتى به .

وطبقا لرأى أبى يوسف إذا كان المواطن صاحب التصرف موضوع الاستفتاء قد خصص قطعة الأرض لتكون مسجدا وشرع في إقامة بناء المسجد عليها فإنها بذلك تكن مسجدا ويكون لازما ولا يصح الرجوع عنه شرعا.

فإذا أضيف إلى هذا أنه كما جاء بالطلب قد خصص مبلغا من ماله لبناء المسجد فإنه بهذا يكون قد وقف هذا المال لبناء المسجد والإنفاق عليه منه ويتم الوقف فيه بذلك ويكون لازما ولا يصح الرجوع فيه.

وعلى ورثة هذا المواطن أن يتموا بناء هذا المسجد وينفقوا المبلغ الذي خصصه مورثهم للبناء والإنفاق في ذلك في إتمام بناء المسجد وتهيئته بحيث يصبح صالحا لإقامة الشعائر الدينية فيه على الوجه المعتاد.

وإذا لم يكف المبلغ المخصص يلزم الإتمام من التركة في حدود الثلث بالقيود والأوضاع المقررة شرعا دون إسراف فيما لا يلزم ولا تقتير فيما يلزم .

والله أعلم .