السؤال:

رجل يظلم الناس كثيرا و يغتاب و يمشي بالنميمة ثم أراد التوبة ماذا يفعل ؟

الجواب:

بسم الله ، والحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد: أيا كان الذي فعله فلا شك أنه كان منكرا وحراما ، وقد أحسن إذ عزم على التوبة ، وعليه أن يكثر من الصالحات والحسنات التي يضخم بها صحيفته حتى يكون فيها قضاء لخصومه يوم القيامة ، وإذا علم الله صدق توبته، واطلع على قلبه فرأى فيه صدق التوبة فقد يرضي عنه خصومه.

ويذكر الدكتور القرضاوي كيفية التوبة من مظالم العباد ناقلا كلام الإمام الغزالي في الإحياء: وأما مظالم العباد، ففيها معصية وجناية على حق الله تعالى، فإن الله تعالى نهى عن ظلم العباد أيضًا، فما يتعلق منه بحق الله تعالى، تداركه بالندم والتحسر، وترك مثله في المستقبل، والإتيان بالحسنات التي هي أضدادها، فيقابل إيذاءه الناس بالإحسان إليهم، ويكفر غصب أموالهم بالتصدق بملكه الحلال، ويكفر تناول أعراضهم بالغيبة والقدح فيهم بالثناء على أهل الدين، وإظهار ما يعرف من خصال الخير من أقرانه وأمثاله، ويكفر قتل النفوس بإعتاق الرقاب، لأن تلك إحياء، إذ العبد الرقيق مفقود لنفسه موجود لسيده، والإعتاق إيجاد لا يقدر الإنسان على أكثر منه، فيقابل الإعدام بالإيجاد المقدور. وبهذا تعرف أن ما ذكرناه من سلوك طريق المضادة في التكفير والمحو مشهود له في الشرع حيث كفر القتل بإعتاق رقبة. ثم إذا فعل ذلك كله لم يكفه ما لم يخرج عن مظالم العباد، ومظالم العباد إما في النفوس أو الأموال أو الأعراض أو القلوب، أعنى به الإيذاء المحض.
أما النفوس فإن جرى عليه قتل خطأ فتوبته بتسليم الدية (وعليه أيضًا كفارة: تحرير رقبة مؤمنة، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين)، ووصولها إلى المستحق، إما منه، أو من عاقلته، وهو في عهدة ذلك قبل الوصول، وإن كان عمدًا موجبًا للقصاص فبالقصاص، فإن لم يعرف فيجب عليه أن يتعرف عند ولي الدم، ويحكمه في روحه، فإن شاء عفا عنه، وإن شاء قتله، ولا تسقط عهدته إلا بهذا، ولا يجوز له الإخفاء.
وليس هذا كما لو زنى أو شرب، أو سرق، أو قطع الطريق، أو باشر ما يجب عليه فيه حد لله تعالى، فإنه لا يلزمه في التوبة أن يفضح نفسه، ويهتك ستره، ويلتمس من الوالي استيفاء حق الله تعالى، بل عليه أن يتستر بستر الله تعالى، ويقيم حد الله على نفسه بأنواع المجاهدة والتعذيب، فالعفو في محض حقوق الله تعالى قريب من التائبين النادمين، فإن أمر هذه إلى الوالي، حتى إذا أقام عليه الحد وقع موقعه، وتكون توبته صحيحة مقبولة عند الله تعالى، بدليل ما صح أن ماعز بن مالك أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني قد ظلمت نفسي وزنيت، وإني أريد أن تطهرني ! فرده، فلما كان من الغد أتاه فقال: يا رسول الله، إني قد زنيت ! فرده الثانية، فلما كان في الثالثة أمر به فحفر له حفرة ثم أمر به فرجم، فكان الناس فيه فريقين: فقائل يقول: لقد هلك، وأحاطت به خطيئته ! وقائل يقول: ما توبة أصدق من توبته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم)) (أخرجه مسلم من حديث بُرَيْدَةَ بن الخصيب).
وأما القصاص وحد القذف: فلابد من تحليل صاحبه المستحق فيه.
وإن كان المتناول مالا تناوله بغصب، أو خيانة، أو غبن في معاملة بنوع تلبيس، كترويج زائف، أو ستر عيب من المبيع، أو نقص أجرة أجير، أو منع أجرته… فكل ذلك يجب أن يفتش عنه، لا من حد بلوغه، بل من أول مدة وجوده، فإن ما يجب في مال الصبي يجب على الصبي إخراجه بعد البلوغ، إن كان الولي قد قصر فيه، فإن لم يفعل كان ظالمًا مطالبًا به، إذ يستوي في الحقوق المالية، الصبي والبالغ، وليحاسب نفسه على الحبات والدوانق، من أول يوم حياته إلى يوم توبته، قبل أن يحاسب في القيامة، وليناقِش قبل أن يناقَش، فمن لم يحاسب نفسه في الدنيا، طال في الآخرة حسابه.
فإن حصل مجموع ما عليه بظن غالب، ونوع من الاجتهاد ممكن، فليكتبه، وليكتب أسامي أصحاب المظالم واحدًا واحدًا، وليطف في نواحي العالم، وليطلبهم وليستحلهم، أو ليؤد حقوقهم، وهذه التوبة تشق على الظلمة، وعلى التجار فإنهم لا يقدرون على طلب المعاملين كلهم، ولا على طلب ورثتهم، ولكن على كل واحد منهم أن يفعل منه ما يقدر عليه، فإن عجز فلا يبقى له طريق، إلا أن يكثر من الحسنات، حتى تفيض عنه يوم القيامة، فتؤخذ حسناته، وتوضع في موازين أرباب المظالم، ولتكن كثرة حسناته بقدر كثرة مظالمه، فإنه إن لم تف بها حسناته، حمل من سيئات أرباب المظالم، فيهلك بسيئات غيره !!.
فهذا طريق كل تائب في رد المظالم، وهذا يوجب استغراق العمر في الحسنات، لو طال العمر، بحسب طول مدة الظلم، فكيف وذلك مما لا يعرف؟ وربما يكون الأجل قريبًا؟ فينبغي أن يكون تشميره للحسنات والوقت ضيق أشد من تشميره الذي كان في المعاصي في متسع الأوقات…. هذا حكم المظالم الثابتة في ذمته.
أما أمواله الحاضرة، فليرد إلى المالك ما يعرف له مالكًا معينًا، وما لا يعرف له مالكًا، فعليه أن يتصدق به، فإن اختلط الحلال بالحرام، فعليه أن يعرف قدر الحرام بالاجتهاد، ويتصدق بذلك المقدار كما سبق تفصيله في كتاب الحلال والحرام.
وأما الجناية على القلوب بمشافهة الناس بما يسوؤهم، أو يعيبهم في الغيبة، فيطلب كل من تعرض له بلسان، أو آذى قلبه بفعل من أفعاله، وليستحل واحدًا وحدًا منهم، ومن مات أو غاب فقد فات أمره، ولا يتدارك إلا بتكثير الحسنات لتؤخذ منه عوضًا في القيامة، وأما من وجده، وأحله بطيب قلب منه، فذلك كفارته، وعليه أن يعرفه قدر جنايته وتعرضه له، فالاستحلال المبهم لا يكفي، وربما لو عرف ذلك وكثرة تعديه عليه، لم تطب نفسه بالإحلال، وادخر ذلك في القيامة ذخيرة يأخذها من حسناته أو يحمله من سيئاته.
فإن كان في جملة جنايته على الغير ما لو ذكره وعرفه لتأذى بمعرفته، كزناه بجاريته أو أهله، أو نسبته باللسان إلى عيب من خفايا عيوبه، يعظم أذاه مهما شوفه به، فقد انسد عليه طريق الاستحلال، فليس له إلا أن يستحل منها ثم تبقى له مظلمة فليجبرها بالحسنات كما يجبر مظلمة الميت والغائب.
وأما الذكر والتعريف، فهو سيئة جديدة يجب الاستحلال منها، ومهما ذكر جنايته وعرفه المجني عليه، فلم تسمح نفسه بالاستحلال بقيت المظلمة عليه، فإن هذا حقه، فعليه أن يتلطف به، ويسعى في مهماته وأغراضه، ويظهر من حبه والشفقة عليه، ما يستميل به قلبه، فإن الإنسان عبد الإحسان، وكل من نفر بسيئة مال بحسنة، فإذا طاب قلبه بكثرة تودده وتلطفه، سمحت نفسه بالإحلال، فإن أبى إلا الإصرار، فيكون تلطفه به واعتذاره إليه، من جملة حسناته التي يمكن أن يجبر بها في القيامة جنايته، وليكن قدر سعيه في فرحه وسرور قلبه بتودده وتلطفه، كقدر سعيه في أذاه، حتى إذا قاوم أحدهما الآخر، أو زاد عليه، أخذ ذلك منه عوضًا في القيامة يحكم الله به عليه، كمن أتلف في الدنيا مالا فجاء بمثله، فامتنع من له المال من القبول ومن الإبراء فإن الحَاكِمُ يحكم عليه بالقبض منه، شاء أم أبى، فكذلك يحكم في صعيد القيامة أحكم الحاكمين، وأعدل المقسطين.
وأما العزم المرتبط بالاستقبال فهو أن يعقد مع الله عقدًا مؤكدًا، ويعاهده بعهد وثيق: أن لا يعود إلى تلك الذنوب ولا إلى أمثالها، كالذي يعلم في مرضه ” أن الفاكهة تضره مثلاً، فيعزم عزمًا جزمًا أنه لا يتناول الفاكهة ما لم يزل مرضه، فإن هذا العزم يتأكد في الحال وإن كان يتصور أن تغلبه الشهوة في ثاني الحال، ولكن لا يكون تائبًا ما لم يتأكد عزمه في الحال ”

ثم عقب فضيلة الدكتور على هذه الحقوق فقال: وللتشديد في حقوق العباد، وقيامها أصلا على المشاحة، كانت التوبة منها بأحد أمرين: إما أن يردها إلى صاحبها إن كان حيًا، أو ورثته إن مات.
وإما باستحلاله منه بعد إعلامه به، إن كان حقًّا ماليًّا أو جناية على بدنه أو بدن موروثه، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من كان لأخيه عنده مظلمة من مال أو عرض، فليتحلله اليوم، من قبل أن لا يكون دينار ولا درهم إلا الحسنات والسيئات)) (رَواهُ البخاري).
توبة من تعذر عليه رد الحقوق المالية: وكل من ثبت عليه حقوق مالية للناس يجب عليه أن يرجعها إليهم، أو إلى ورثتهم، فإن لم يكن عنده ما يكفي سعى في ذلك طول حياته ما استطاع، وكلما حصل شيئًا قضى بعض ما عليه، كل بنسبة حقه ودينه عند التائب وفق قسمة الغرماء، فمن كان في ذمته هذه الحقوق المالية، ثم تاب وتعذر عليه ردها إلى أصحابها، أو إلى ورثتهم، لجهله بهم، أو لانقراضهم، أو لغير ذلك، فاختلف في توبة مثل هذا.
فقالت طائفة: لا توبة له إلا بأداء هذه المظالم إلى أربابها، فإذا كان ذلك قد تعذر عليه، فقد تعذرت عليه التوبة، والقصاص أمامه يوم القيامة بالحسنات والسيئات ليس إلا.
قالوا: فإن هذا حق الآدمي لم يصل إليه، والله سبحانه لا يترك من حقوق عباده شيئًا، بل يستوفيها لبعضهم من بعض، ولا يجاوزه ظلم ظالم، فلابد أن يأخذ للمظلوم حقه من ظالمه، ولو لطمة، ولو كلمة، ولو رمية بحجر.
قالوا: وأقرب ما لهذا في تدارك الفارط منه: أن يكثر من الحسنات، ليتمكن من الوفاء منها يوم لا يكون الوفاء بدينار ولا بدرهم.

والله أعلم .