السؤال:

يقول أرباب الشرائع والقوانين إنه يجب في تحقيق عدالتها أن تكون موافقة لأخلاق الأمم وعاداتهم وطبائعهم ودرجة تربيتهم وأقاليمهم وأحوالهم المعاشية والاقتصادية، فإذا كان الأمر كذلك فلم لم نشاهد سوى قانون واحد لدى الأمم الإسلامية - الشريعة الغراء - مع أنه يوجد اختلاف عظيم بين تلك البلاد في العادات والأخلاق والأقاليم ؟

الجواب:

بسم الله ، والحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد :

فيقول فضيلة الشيخ محمد رشيد رضا – رحمه الله- ردا على سؤال مشابه :

إن علماء الحقوق والقوانين الوضعية إنما يضعون قوانينهم لأهل السياسة ، وهم إنما يهمهم من رعاياهم جباية الأموال والأمن من الخروج عليهم ، لا سيما إذا كانوا من غير جنسهم ، وما يساعد على ذلك من منع التعدي ، فواضع القانون يحترم عادات كل قوم وإن كانت ضارة كالسُّكر والزنا ، ويخص أحكامه بحفظ النظام فيها ومنع التعدي .

وأما الشريعة الإلهية فإصلاح الأخلاق والعادات فيها مقصود بذاته ، وأساس هذه الشريعة دَرْءُ المفاسد وحفظ المصالح ، سواء كان ذلك في الأفراد أو الجماعات وما بينهم من الروابط والصلات ، وقد وضع الإسلام على هذا الأساس أصولاً عامّة للأحكام لا تختلف باختلاف الزمان والمكان ، كالمساواة في الحقوق ، وإقامة القسط ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين ، وكون درء المفاسد مقدَّمًا على جَلْب المصالح ، وارتكاب أخف الضررين ، وجعل البينة على المدّعي ، وهي كل ما يتبين به الحق ، وجعل الحاكم مستقلاً مجتهدًا يستنبط الأحكام مع فرض الاستشارة عليه ، إلى غير ذلك من الأصول العادلة ، وبَعْدَ هذا كله جعلت العرف محكمًا كوضع الشرع ليراعي فيما يختلف من أحوال البلاد والعباد التي لا تخل بمقاصد الشريعة والدين في التهذيب وتقريب الشعوب بعضها من بعض لتكون الأمم كلها أمة واحدة .

لهذا الذي أجملناه لم تلزم الشريعة الإسلامية أتباعها بالتزام جزئيات الأحكام التي صدرت في عهد التشريع كما هي بدون مراعاة أساس درء المفاسد وحفظ المصالح ، ومنها يعلم أن هذا الوضع من أسباب جعل الشريعة خاتمة الشرائع ونبيها صلى الله عليه وآله وسلم خاتم النبيين .

والله أعلم .