السؤال:

هل يخضع الإسلام للتطور؟

الجواب:

بسم الله ، والحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد :

فالإسلام لا يخضع للتطور لاشتماله على مبادئ عامة من علم الله الثابت إلى البشر وفق خصائصهم التي لا تتغيّر ، إنما الذي يتطوّر بالنسبة للإسلام هو إيمان المؤمن به ، فالمؤمن يُعلن إسلامه ثم يتطور إيمانه ، وكلما صَفَّى المؤمن حياته من الرواسب كُلَّما تقدَّم في إيمانه .

يقول الدكتور محمد البهي عميد كلية أصول الدين سابقا –رحمه الله- ردا على سؤال مشابه :

الإسلام كدين وكمَنهج للحياة الإنسانية قائِم على مبادئ عامّة لا يخضع للتطور ؛ لأنَّ هذه المبادئ من وَحْي الله وعلمه ، وعلم الله ثابت لا يتطور ولا يصير مِن وضع إلى وضع آخر كما هو الشأن في علم الإنسان ، فالإنسان فقط ـ وليس الله ـ يتدرَّج علمه من حال إلى حال ، فعلم الإنسان بالأمس يختلف عن علمه اليوم وكذلك عن علمه بالغد ، وما يَعتبره الإنسان من علمه يقينًا اليوم قد يُصبح في الغد القريب أو البعيد ظنًّا أو وَهْمًا.

وإذا كان الله لا يَخضَع علْمُه للزمن والتجرِبة ؛ لأنَّه فوق الزمن والوجود المادِّيّ كله ، فعلمه علم كاشف على معنى أنه مُطَّلِع على المستقبل كاطلاعه على الماضي والحاضر ، وأنَّه لا يَغيب عن علمه مثقال ذَرّة في الأرض ولا في السماء .

وعلم الله في رسالته إلى الإنسان يتَّفِقُ وخصائص طبيعة هذا الإنسان ، فدِينه هو منهج وَفْق هذه الخصائص ، والإنسان في خصائصه لا يتغيّر إطلاقًا ؛ لأنه ثابت في نوعيته ، ولا ينتقل إلى نوع آخر مغاير له ، فطبيعة الإنسان كما تُشكِّلها حكمة العقل تشارِك هذه الحكمة فيه : غرائز الحيوان ومن أجل ذلك يتذبذب الإنسان بين السُّمُوِّ نحو الحكمة ، وبين الدُّنُوِّ نحو مطالب الغريزة ومَطالبها شهوة وهوًى ، والإسلام لأنّه مِن علم الله ؛ إذن ـ لا يخضع إلى تطور ؛ لأنّه ليس في حاجة إلى تصفيته أو تنقيته من أخطاء وقعتْ فيه بفِعْل الهوى ، على نحو ما في علْم الإنسان .

إنما الذي يتطوّر بالنسبة للإسلام هو إيمان المؤمن به، فالمؤمن يُعلن إيمانه بالإسلام وإعلان إيمانه به هو نقطة البداية ثم يتطور إيمانه من هذه البداية على قدْر تخلُّصه من رواسب الجاهليّة الأولى وهي المادِّيّة وما يقوم عليها من عادات وتقاليدَ ، وكلما صَفَّى المؤمن حياته من هذه الرواسب كُلَّما تقدَّم درجة أو درجات في إيمانه وإذ يقول الله تعالى: (أَلَمْ يَأْنِ للذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ ومَا نَزَلَ مِنَ الحَقِّ) (الحديد 16). يُشير إلى أن الوصف بالإيمان لا يعني الوصول إلى الكمال فيه ، والكمال فيه هو نهاية تطوره ، وذلك لا يكون إلا عندما يخشع قلبه لذكر الله وما نزل من الحقِّ من آيات إذا تُلِيَتْ عليه أو إذا قرأها وهي حالة خاصة.

ومن أجل تطوير إيمان المؤمنين على عهد الرسول ـ عليه السلام ـ نزل الوحي عليه منجَّمًا في ثلاث وعشرين سنةً، وجاء في السورة قبل الأخيرة في الوحي المدنيّ قوله ـ تعالى ـ: (اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي) “ببلوغ درجةٍ عالية وبَعيدة المدى في الإيمان” (ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا). (المائدة: 2) ، وهكذا إيمان المؤمن يتطور.. أمّا الإسلام نفسه فهو في علم الله ثابت لا يتغير.

والله أعلم .