السؤال:

قال الله تعالى : [ وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ] ، وقال تعالى : [ وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً ] ، وقال : [ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ] ، هذه الآيات التي وردت في القرآن تحث على إفشاء السلام ، فهل هذا يشمل المسلمين وغيرهم ؟ أم هو خاصّ بالمسلمين باعتباره من حق المسلم على المسلم فقط ؟

الجواب:

بسم الله ، والحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد :

فمن آداب الإسلام إفشاء السلام مع المسلم وغير المسلم ، لأن أكثر النصوص التي وردت في السلام عامة ، أما ما ورد من حق المسلم على المسلم فلا ينفي حق غيره ، وكان اليهود يسلمون على النبي صلى الله عليه وسلم فيردّ عليهم السلام .

يقول فضيلة الشيخ محمد رشيد رضا –رحمه الله- ردا على سؤال مشابه :

إن الإسلام دين عامٌّ ومن مقاصده نشر آدابه وفضائله في الناس ولو بالتدريج وجذب بعضهم إلى بعض ليكون البشر كلهم إخوة ، ومن آداب الإسلام التي كانت فاشية في عهد النبوة إفشاء السلام إلا مع المحاربين ؛ لأن من سلّم على أحد فقد أمّنه ، فإذا فتك به بعد ذلك كان خائنًا ناكثًا للعهد .

وكان اليهود يسلمون على النبي صلى الله عليه وسلم فيردّ عليهم السلام حتى كان من بعض سفهائهم تحريف السلام بلفظ ( السَّام ) أي : الموت فكان النبي صلى الله عليه وسلم يحييهم بقوله : ( وعليكم ) وسمعت عائشة واحدًا منهم يقول له : السَّام عليك ، فقالت له : وعليك السام واللعنة ، فانتهرها عليه الصلاة والسلام مبينًا لها أن المسلم لا يكون فاحشًا ولا سبّابًا ، وأن الموت علينا وعليهم ، وروي عن بعض الصحابة كابن عباس أنهم كانوا يقولون للذمّيّ : السلام عليك .

وعن الشعبي من أئمة السلف أنه قال لنصرانيّ سلم عليه : وعليك السلام ورحمة الله تعالى ، فقيل له في ذلك فقال : ( أليس في رحمة الله يعيش ) ، وفي حديث البخاري الأمر بالسلام على من تعرف ومن لا تعرف ، وروى ابن المنذر عن الحسن أنه قال : [ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا ] ( النساء : 86 ) فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا للمسلمين ، [ أَوْ رُدُّوهَا ] ( النساء : 86 ) لأهل الكتاب ، وعليه يقال للكتابيّ في رد السلام عين ما يقوله وإن كان فيه ذكر الرحمة ، هذه لمعة مما روي عن السلف .

ثم جاء الخلف فاختلفوا في السلام على غير المسلم ، فقال كثيرون : إنهم لا يبدءون بالسلام ، لحديث ورد في ذلك ، وحملوا ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما على الحاجة ، أي : لا يسلم عليهم ابتداءً إلا لحاجة ، وأما الرّد فقال بعض الفقهاء : إنه واجب كردّ سلام المسلم وقال بعضهم : إنه سنة وفي الخانية من كتب الحنفية : ولو سلم يهودي أو نصراني أو مجوسي فلا بأس بالردّ ، وهذا يدل على أنه مباح عند هذا القائل لا واجب ولا مسنون مع أن السنة وردت به في الصحيح ، أما ما ورد من حق المسلم على المسلم فلا ينفي حق غيره ، فالسلام حق عام ويراد به أمران : مطلق التحية ، وتأمين من تسلّم عليه من الغدر والإيذاء وكل ما يسيء ، وقد روى الطبراني و البيهقي من حديث أبي أمامة : ( أن الله تعالى جعل السلام تحية لأمتنا ، وأمنًا لأهل ذمتنا ) ، وأكثر الأحاديث التي وردت في السلام عامة ، وذكر في بعضها المسلم كما ذكر في بعضها غيره، كحديث الطبراني المذكور آنفًا .

أما جعل تحية الإسلام عامّة ، فعندي أن ذلك مطلوب ، وقد ورد في الأحاديث الصحيحة أن اليهود كانوا يسلمون على المسلمين فيردون عليهم ، فكان من تحريفهم ما كان سببًا لأمر النبي صلى الله تعالى عليه والسلام بأمر المسلمين أن يردوا عليهم بلفظ ( وعليكم ) حتى لا يكونوا مخدوعين للمحرفين ، ومن مقتضى القواعد أن الشيء يزول بزوال سببه ، ولم يرد أن أحدًا من الصحابة نهى اليهود عن السلام ؛ لأنهم لم يكونوا ليحظروا على الناس آداب الإسلام .

ولكن خلف من بعدهم خَلْفُ أرادوا أن يمنعوا غير المسلم من كل شيء يعمله المسلم ، حتى من النظر في القرآن ، وقراءة الكتب المشتملة على آياته ، وظنوا أن هذا تعظيم للدين ، وصَونٌ له عن المخالفين ، وكلما زادوا بُعدًا عن حقيقية الإسلام زادوا إيغالاً في هذا الضرب من التعظيم ، وإنهم ليشاهدون النصارى في هذا العصر يجتهدون بنشر دينهم ، ويوزعون كثيرًا من كتبه على الناس مجانًا ، ويعلمون أولاد المخالفين لهم في مدارسهم ليقربوهم من دينهم ، ويجتهدون في تحويل الناس إلى عاداتهم وشعائرهم ليقربوا من دينهم ، حتى إن الأوربيين فرحوا فرحًا شديدًا عندما وافقهم خديو مصر الأسبق على استبدال التاريخ المسيحي بالتاريخ الهجري ، وعدُّوا هذا من آيات الفتح .

ونرى القوم الآن يسعون في جعل يوم الأحد عيدًا أسبوعيًّا للمسلمين ، يشاركون فيه النصارى بالبطالة ، ومع هذا كله نرى المسلمين لا يزالون يحبون منع غيرهم من الأخذ بآدابهم وعاداتهم ويزعمون أن هذا تعظيم للدين ، وكأن هذا التعظيم لا نهاية له إلاّ حجب هذا الدين عن العالمين ، إن هذا لهو البلاء المبين ، وسيرجعون عنه بعد حين .

والله أعلم .