السؤال:

طال الجدال وكثر في مسألة حدوث العالم من جهتها الشرعية ، فبعضهم يقول : إن الاعتقاد بالحدوث حسب ما قرره علماء الكلام فرض على العباد ، وبعضهم يخالفه ويقول : إن القول بحدوث العالم إنما هو من مسائل الفلسفة لا تعلق له بالشريعة ، نرجو بيان الصواب .

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد :

فليس في كتاب الله تعالى آية تدل على أن الوجود الحقيقي صدر عن العدم الخيالي ، وما ورد إنما يدل على أن هذا الوجود الذي نشاهده كله ممكن حادث ، وأنه صدر عن وجود واجب قديم لا تعرف حقيقته ولا كيفية صدوره عنه ، وإنما قام البرهان بأنه صدر بإرادة وقدرة وعلم وحكمة ، وما كان لدين الإسلام أن يكلف كل فرد في تصحيح الإيمان بنظريات فلاسفة اليونان، والتمييز بين تلك الخلافات في الحدوث بالذات والحدوث بالزمان.

ويقول فضيلة الشيخ محمد رشيد رضا –رحمه الله- ردا على سؤال مشابه :

إن الصواب في الرأي الثاني ، وما كان لدين الفطرة مقرر الحنيفية السمحة الذي ظهر في الأميين ودعا إليه المتوحشين والمدنيين – أن يكلف كل فرد في تصحيح الإيمان بنظريات فلاسفة اليونان ، والتمييز بين تلك الخلافات في الحدوث بالزمان والحدوث بالذات ، ثم خلافات الفلاسفة مع أهل الكلام في أصل وجود الزمان .

  فالمتكلم يقول :إنه أمر اعتباري ، والفيلسوف اليوناني يقول : إنه وجودي ، وإنها لمعارك يحارب الباحث فيها غير عدوّ حتى إذا أعيا من مقارعة الدليل بالدليل، ونفض عنه عثير القال والقيل، رجع إلى أحد الأمرين: وقوف الحيرة أو دين الفطرة ، المقصد الأول من مقاصد القرآن المبين ، تقرير عقائد الدين ، ثم هو لم ينطق بكلمة من مادة الحدوث للأعيان ، لا بحسب الذات ولا بحسب الزمان ، فللناظر أن يقول: إن اطّراد السنن الإلهية في العوالم العلوية والسفلية ، ووحدة النظام مع الإتقان في جميع هذه الأكوان: يدلاّن على أن لها خالقًا عليمًا ، قادرًا حكيمًا حيًّا قيومًا ، لا رادّ لإرادته ، ولا معقب لحكمه وحكمته ، وأنه واحد لوحدة النظام المشهود في جميع الوجود ، وبهذا يكون مؤمنًا بالبرهان ، متبعًا طريق القرآن وإن لم يخطر بباله حدوث الذات وحدوث الزمان .

  أما مسألة حدوث العالم في نظر الفلسفة :فالمتفق عليه عند فلاسفة العصر أن كل ما نراه ونحس به من هذه العوالم الأرضية والسماوية فهو حادث بمعنى أنه لم يكن كما هو الآن ثم كان ، ولكن عضلة العقد عند المتقدمين والمتأخرين هي مسألة منشأ التكوين ، وهم متفقون على أن الوجود المطلق قديم وأنَّ العدم المطلق لا حقيقة له ولا يتصوره العقل وأنه لا يحدث شيء من لا شيء .

فالفلاسفة والمتفلسفون يحسبون أن هذه المسائل القطعية لا تنطبق على الأديان وإن كانت سماوية ، ونحن نقول : إنها هي التي جرى عليها القرآن وقررها الإسلام فليس في كتاب الله تعالى آية تدل على أن الوجود الحقيقي صدر عن العدم الخيالي ، بل قال : [ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً ] ( الفرقان : 2 ) والخلق لغة : الترتيب وهو لا يكون في العدم ، بل قال : [ أَوَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا ] ( الأنبياء : 30 ) وقال : [ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ] ( فصلت : 11 ) .

وحلُّ المسألة بطريقة إسلامية أن هذا الوجود الذي نشاهده كله ممكن حادث ، وأنه صدر عن وجود واجب قديم لا تعرف حقيقته ولا كيفية صدوره عنه ، وإنما قام البرهان بأنه صدر بإرادة وقدرة وعلم وحكمة ، وذلك ما ذكرناه من وحدة النظام والإحكام واطراد النواميس والسنن.

والله أعلم .