السؤال:

هل وردت نصوص ثابتة تدل على عقوبة المرتد ؟ لأن هناك من يدعو لإلغاء عقوبة الردَّة ، لعدم ثبوتها بالقرآن الكريم .

الجواب:

بسم الله ، والحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد :

فعقوبة المرتدِّ الدنيوية ثابتة بكتاب الله ـ تعالى ـ في آيات عدة ، وأمر الله رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقتل مَن أتى سببًا من أسباب الرِّدَّة ، وقد ورد في السنة أيضا أحاديث صحيحة تؤكد أدلة القرآن ، وحتى لو لم تذكر عقوبة المرتد إلا في السنة النبوية ، فإنكار حُجِّيتها خروج عن مِلَّة الإسلام ، وقد تأتي بتشريع لم يَرِد له ذِكْر في القرآن ، (وَمَا يَنطِقُ عنِ الهوَى. إِنْ هُوَ إلا وحْيٌ يوحَى).

يقول أ. د عبد الفتاح إدريس أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر :

تتعرض الثوابت الإسلامية في أيامنا هذه لهجمة شرِسة من المنتسِبين إلى هذا الدين، بُغيةَ زلزلة معتَقَد المسلمين، والتشكيك فيما آمنوا به، ولا تزال مظاهر هذه الهجمة تبدو كالحة، في صورة أفكار ضالَّة يصدَع بها أصحابُها المرةَ تِلْوَ المرة، لتنشُر السمَّ الزُّعاف في عقيدة المسلمين، وتُشغلهم عن قضايا معاشهم ومعادهم، ومن هذه الأفكار دعوى إلغاء عقوبة الردَّة، لعدم ثبوتها بالقرآن الكريم، والذين يُرَدِّدون مثل هذا لا فقه عندهم، ولا علم لهم بأحكام القرآن الكريم، ولا بكيفية استنباط الأحكام منه، بل إن عقوبة المرتدِّ الدنيوية ثابتة بكتاب الله ـ تعالى ـ والدليل عليها آيات منها: قول الله، تعالى: (قُلْ للذينَ كفروا إن ينتَهُوا يُغفَرْ لهم ما قد سلَفَ وإن يَعودُوا فقدْ مضتْ سنَّةُ الأولينَ. وقاتِلُوهمْ حتى لا تكونَ فتنةٌ ويكونَ الدينُ كلُّه لله)، حيث حكى النيسابوري عن بعض العلماء قولهم: إن هذه الآية في حكم المرتدين؛ لأن الكفار لا يُخاطَبُون بفروع الشريعة الإسلامية، لبُطلان الخطاب مع الكفار إجماعًا، وفسَّر (وإن يعودوا) بالعودة إلى الرِّدَّة، ومعنى: (فقدْ مضتْ سنَّةُ الأولينَ) أي جرى عليهم حكم القتل في المرتدين الذين كفروا بعد إسلامهم، كما هو سنَّة الكفار الأصليين، وقال ابن جريج في: (وقاتِلوهُمْ حتى لا تكونَ فتنةٌ ويكونَ الدينُ كلُّه لله)، أي لا يُفتَن مؤمن عن دينه، ويكون التوحيد لله خالصًا ليس فيه شِرْك، ومِن ثَمَّ يكون معنى الآية: قل للكفار إن أسلمتُم غفر الله لكم ما كان منكم قبل إسلامكم، وإن عدتم إلى الكفر بعد إسلامكم فحكمكم القتل الذي هو حكم الكفار الأصليين، ويدل لهذه العقوبة أيضًا من القرآن الكريم قول الله، تعالى: (لَئِنْ لم يَنتَهِ المُنافِقونَ والذينَ في قلوبهم مرضٌ والمُرجِفُونَ في المدينةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بهمْ ثم لا يُجاوِرُونَكَ فيها إلا قَلِيلًا . ملعونينَ أينما ثُقِفوا أخِذُوا وقُتِّلُوا تقتيلًا) حيث أمر الله ـ تعالى ـ رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقتل مَن أتى سببًا من أسباب الرِّدَّة، والتي منها استحلال الزنا، إذ قال عكرمة وشهر بن حوشب: (الذين في قلوبهم مَرَض)، أي الذين في قلوبهم الزنا، والإرجاف: الذي هو إخبار المسلمين بما يَسُوؤهم من عدوهم، ومعنى: (لَنُغْرِيَنَّكَ بهِمْ)، أي لنُسَلِّطَنَّكَ عليهم فتستأصِلهم، قال المبرد: قد أغراه الله بهم في قوله بعد ذلك: (مَلْعُونِينَ أينَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وقُتِّلُوا تَقتيلًا) إذ فيه معنى الأمر بقتلهم وأخذهم إذا أقاموا على ما هم فيه، فهذه الآية كسابقتها دالَّة على عقوبة المرتدِّ الدنيوية.

وقد تعضَّدت هذه الآيات بأحاديث كثيرة صحيحة، منها: حديث ابن عباس عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم: “مَن بدَّل دينَه فاقتلوه” وحديث ابن مسعود: “لا يَحِل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المُفارِق للجماعة”، وحديث جابر: “أن امرأة يقال لها أم مروان ارتدت عن الإسلام، فأمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأن يُعرَض عليها الإسلام، فإن تابت وإلا قُتِلت”، وما روي: “أن معاذًا قَدِم على أبي موسى الأشعري باليمن، فوجد عنده رجلًا موثَّقًا، فقال: ما هذا؟ قال: رجل كان يهوديًّا فأسلم، ثم رجع إلى دينه فتهَوَّد، فقال معاذ: لا أجلس حتى يُقتل، قضاءُ الله ورسوله، فأمر به فقُتل، وهذه الأحاديث منها ما اتفق عليه البخاري ومسلم فهو في أعلى درجات الصحة، وقول معاذ في الحديث الأخير: “لا أجلس حتى يُقتَل قضاءُ الله ورسوله” دالٌّ على أن قتل المرتدِّ ليس مدلولًا عليه بالسنَّة فقط، بل قضى به الحق سبحانه .

ومن نافلة القول أن السنة النبوية، وهي كالقرآن سواءً بسواء، إلا أنها وحي بالمعنى لا باللفظ، وإنكار حُجِّيتها خروج عن مِلَّة الإسلام، وهذه السنَّة كما تُبَيِّن مجمل القرآن الكريم، فإنها تُقَيِّد مُطلقَه، وتُخَصِّص عامَّه، وقد تأتي بتشريع لم يَرِد له ذِكْر في القرآن، سواء كان بتحريم أو إيجاب أو غيرهما، ومن نافلة القول كذلك أن ما دلَّت عليه السنَّة من أحكام، فقد دل عليه القرآن أيضًا، للآيات الكثيرة الدالَّة على حُجِّيَّة السنَّة، وأن طاعة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيما أمر به ونهى عنه، هي طاعة لله ـ تعالى ـ كذلك، من هذه الآيات: (مَن يُطِع الرسولَ فقدْ أطاعَ الله)، (وما آتاكُمُ الرسولُ فخذوهُ وما نهاكم عنه فانتَهُوا)، (وَمَا يَنطِقُ عنِ الهوَى. إِنْ هُوَ إلا وحْيٌ يوحَى).

وقد فهم الصحابة أن الأحكام الثابتة بالسنَّة ثابتة بالقرآن كذلك، فهذا ابن مسعود يستدل على حرمة تغيير خلْق الله الوارد في السنَّة، بما ثبت في القرآن الكريم من وجوب طاعة رسول الله فيما أمر به ونهى عنه، وكأن حُرْمة هذا التغيير ثابتة بكتاب الله سبحانه، إذ قالت له امرأة: “يا أبا عبد الرحمن بلغني أنك لعنتَ الواشمات والمستوشمات، والنامصات والمتنَمِّصات، والمتفَلِّجات للحُسْن المُغَيِّرات خَلْق الله، فقال لها: ومالي لا ألعن مَن لعنه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو في كتاب الله! فقالت: لقد قرأتُ ما بين دَفَّتَي المصحف فما وجدتُه، فقال: لئن كنتِ قرأتيه لَوَجَدْتِيه، فقالت: وأين أجد ذلك؟ فقال لها: في قوله، تعالى: (وَما آتاكُمُ الرسولُ فخُذُوه وما نهاكُمْ عنه فانْتَهُوا) وهذا معاذ بن جبل يفهم من هذه الآية ما فهم ابن مسعود، فيقول لأبي موسى الأشعري: “لا أجلس حتى يُقتَل”، أي المُرْتد،”قضاء الله ورسوله” وفي رواية: “قضى الله ورسوله أن مَن رجع عن دينه فاقتلوه”.

وهذا وغيره دليل قاطع على أن قتل المرتد ثابت بكتاب الله ـ تعالى ـ وينبغي للمشكِّكين في هذا الرجوع إلى الحق خير من التمادي في باطل لا يُعضِّده دليل.

والله أعلم .