السؤال:

هل يجوز البيع بالتقسيط عن طريق المرابحة لشراء الشقة عن طريق البنك؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد :

بالنسبة لشراء الشقة عن طريق البنك إن كان البنك سيقوم بشراء الشقة من المقاول ويدفع ثمنها كامل ثم يبيعها لك بالتقسيط عن طريق المرابحة فهذا جائز، أما إن كان البنك سيقرضك ما تشتري به الشقة ثم يأخذ فوائد محددة سلفا فهذا هو عين الربا.

يقول الدكتور يوسف القرضاوي مبينا هذه المسألة في صورة مثال عملي :

أريد أن أصور المسألة تصويراً مبسطاً في صورة واقعة عملية، ليمكن إصدار الحكم فيها بعد تصورها.
ذهب زيد من الناس إلى المصرف الإسلامي و قال له أنا صاحب مستشفى لعلاج أمراض القلب، و أريد شراء أجهزة حديثة متطورة لإجراء الجراحات القلبية، من الشركة الفلانية بألمانيا أو بالولايات المتحدة.
و ليس معي الآن ثمنها، أو معي جزء منه و لا أريد أن ألجأ إلى البنوك الربوية لأستلف عن طريقها ما أريد وأدفع الفائدة المقررة المحرمة، فهل يستطيع المصرف الإسلامي أن يساعدني في هذا الأمر دون أن أتورط في الربا؟ هل يستطيع المصرف أن يشتري لي ما أريد بربح معقول على أن أدفع له الثمن بعد مدة محددة، فأستفيد بتشغيل مستشفاي، ويستفيد بتشغيل ماله، ويستفيد المجتمع من وراء ذلك التعاون؟
قال مسئول المصرف : نعم يستطيع المصرف أن يشتري لك هذه الأجهزة بالمواصفات التي تحددها، ومن الجهة آلتي تعيَّنها، على أن تربحه فيها مقداراً معيناً أو نسبة معينة، وتدفع في الأجل المحدد، ولكن البيع لا ينعقد إلا بعد أن يشتري المصرف الأجهزة المذكورة ويحوزها بالفعل بنفسه أو عن طريق وكيله، حتى يكون البيع لما ملكه بالفعل، فكل ما بين المصرف وبينك الآن تواعد على البيع بعد تملك السلعة وحيازتها.
قال العميل : المصرف إذن هو المسئول عن شراء الأجهزة المطلوبة ودفع ثمنها ونقلها وشحنها، وتحمل مخاطرها، فإذا هلكت هلكت على ضمانه وتحت مسئوليته، وإذا ظهر فيها عيب بعد تسلمها يتحمل تبعة الرد بالعيب، كما هو مقرر شرعاً.
قال المسئول :
نعم بكل تأكيد، ولكن الذى يخشاه المصرف أن يحقق رغبتك، ويجيبك إلى طلبك بشراء الأجهزة المطلوبة، فإذا تم شراؤها وإحضارها، أخلفت وعدك معه. وهنا قد لا يجد المصرف من يشتري هذه السلعة منه لندرة من يحتاج إليها، أو قد لا يبيعها إلا بعد مدة طويلة، وفي هذا تعطيل للمال، وإضرار بالمساهمين والمستثمرين الذين ائتمنوا إدارة المصرف على حسن تثميرها لأموالهم.

قال العميل صاحب المستشفى : إن المسلم إذا وعد لم يخلف، وأنا مستعد أن أكتب على نفسي تعهداً بشراء الأجهزة بعد حضورها بالثمن المتفق عليه الذى هو ثمن الشراء مع المصاريف والربح المسمى مقداراً أو نسبة كما أني مستعد لتحمل نتيجة النكول عن وعدي، لكن ما يضمن لي ألا يرجع المصرف عن وعده إذا ظهر له عميل يعطيه أكثر، أو غلت السلعة المطلوبة في السوق غلاء بيناً؟

قال المسئول : المصرف أيضاً ملتزم بوعده، و مستعد لكتابة تعهد بهذا، وتحمل نتيجة أي نكول منه.

قال العميل : اتفقنا.

قال المسئول : إذن نستطيع أن نوقع بيننا على هذا، في صورة طلب رغبة ووعد منك بشراء المطلوب، و وعد من المصرف بالبيع. فإذا تملك المصرف السلعة و حازها وقعنا عقداً آخر بالبيع على أساس الاتفاق السابق.
هذه هي الصورة آلتي اشتهر تسميتها باسم (بيع المرابحة للآمر بالشراء) وهي التي ثار حولها الجدل، و كثر القيل و القال.
وهذه الصورة إذا حللناها إلى عناصرها الأولية، نجدها مركبة من وعدين : وعد بالشراء من العميل الذى يطلق عليه : الآمر بالشراء. ووعد من المصرف بالبيع بطريق المرابحة (أي بزيادة ربح معين المقدار أو النسبة على الثمن الأول، أو الثمن والكلفة) وهذا هو المقصود بكلمة المرابحة هنا.
وقد اختار المصرف والعميل كلاهما الالتزام بالوعد، وتحمل نتائج النكول عنه. كما تتضمن الصورة : أن الثمن الذى اتفق عليه بين المصرف والعميل ثمن مؤجل، والغالب أن يراعى في تقدير الثمن مدة الأجل، كما يفعل ذلك كل من يبيع بالأجل.
هذه هي عناصر العملية آلتي اشتهرت باسم “بيع المرابحة”، وأنا لا أقف عند التسمية كثيراً؛ لأنه لا عبرة بالأسماء إذا وضحت المسميات، فمن حقنا أن نطلق عليها إن شئنا اسماً جديداً، و أن نعتبرها بمجموع عناصرها صورة جديدة من معاملات هذا العصر فهي ليست أكثر من مُوَاعَدَة على البيع لأجل معلوم، بثمن محدد، هو ثمن الشراء مضافاً إليه ربح معلوم، تزيد نسبته أو مقداره عادة كلما طال الأجل. ولكنه ثمن معلوم من أول الأمر.
فماذا ينكر من هذه العملية آلتي أقرتها هيئات الرقابة الشرعية لأكثر من بنك إسلامي، وأقرها كذلك مؤتمران للمصارف الإسلامية؟ و صدر بها أكثر من فتوى مكتوبة؟

ثم قال الدكتور القرضاوي مبينا جهات الفتوى التي أجازت المسألة :
فتوى مؤتمر المصرف الإسلامي الثاني المنعقد بالكويت
(جمادى الآخرة 1403 هـ، مارس1983 م)

اجتمع هذا المؤتمر في مدينة الكويت بتاريخ 6-8 جمادى الآخرة 1403 هـ الموافق 21-23 مارس سنة 1983 م، وشاركت فيه اثنتا عشرة مؤسسة مالية إسلامية وحضره عدد من كبار العلماء، وقدمت فيه مجموعة من الأبحاث، وبعد مناقشتها واجتماع لجنة العلماء المحكمين، صدرت عن المؤتمر عدة توصيات، يتعلق بموضوعنا منها التوصيتان : الثامنة والتاسعة ونصهما :
يقرر المؤتمر أن المواعدة على بيع المرابحة للآمر بالشراء، بعد تملك السلعة المشتراة و حيازتها، ثم بيعها لمن أمر بشرائها بالربح المذكور في الموعد السابق ، هو أمر جائز شرعاً، طالما كانت تقع على المصرف الإسلامي مسئولية الهلاك قبل التسليم، وتبعه الرد فيما يستوجب الرد بعيب خفي.

وأما بالنسبة للوعد وكونه ملزماً للآمر أو للمصرف أو كليهما، فإن الأخذ بالإلزام هو الأحفظ لمصلحة التعامل و استقرار المعاملات، وفيه مراعاة لمصلح المصرف والعميل. وإن الأخذ بالإلزام أمر مقبول شرعا، وكل مصرف مخير في الأخذ بما يراه في مسألة القول بالإلزام حسب ما تراه هيئة الرقابة الشرعية لديه.

يرى المؤتمر أن الأخذ العربون في عمليات المرابحة وغيرها جائز بشرط ألا يحق للمصرف أن يستقطع من العربون المقدم إلا بمقدار الضرر الفعلي المتحقق عليه من جراء النكول -أي الرجوع-.

والله أعلم.