السؤال:

كيف يرث الخنثى المشكل؟ وهل يرث الأبناء المتوفى والدهم من جدهم؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

جاء في كتاب فقه السنة للشيخ السيد سابق ـ رحمه الله ـ :[1]

الخنثى تعريفه:
الخنثى شخص اشتُبِهَ في أمره ولم يُدرَ أذكر هو أم أنثى، إما لأن له ذكرًا وفرجًا معًا، أو لأنه ليس له شيء منهما أصلاً.
كيف يرث:
إن تبين أنه ذكر ورث ميراث الذكر، وإن تبين أنه أنثى ورث ميراثها.
وتتبين الذكورة والأنوثة بظهور علامات كل منهما، وهي قبل البلوغ تعرف بالبول فإن بال بالعضو المخصوص بالذكر فهو ذكر، وإن بال بالعضو المخصوص بالأنثى فهو أنثى، وإن بال منهما كان الحكم للأسبق.

 وبعد البلوغ إن نبتت له لحية أو أتى النساء أو احتلم كما يحتلم الرجال فهو ذكر، وإن ظهر له ثدي كثدي المرأة أو دُرَّ له لبن أو حاض أو حبل فهو أنثى، وهو في هاتين الحالتين يقال له: خنثي غير مشكل.
فإن لم يعرف أذكر هو أم أنثى، بأن لم تظهر علامة من العلامات أو ظهرت وتعارضت فهو الخنثى المشكل.

 وقد اختلف الفقهاء في حكمه من حيث الميراث، فقال أبو حنيفة:

 إنه يفرض أنه ذكر، ثم يفرض أنه أنثى، ويعامل بعد ذلك بأسوأ الحالين، حتى لو كان يرث على اعتبار، ولا يرث على اعتبار آخر لم يعط شيئًا.

 وإن ورث على كل الفرضين، واختلف نصيبه أعطى أقل النصيبين.

 وقال مالك وأبو يوسف: يأخذ المتوسط بين نصيبي الذكر والأنثى.

 وقال الشافعي: يعامل كل من الورثة والخنثى بأقل النصيبين؛ لأنه المتبقي إلى كل منهما.

 وقال أحمد: إن كان يرجى ظهور حاله يعامل كل منه ومن الورثة بالأقل، ويوقف الباقي.

 وإن لم يرج ظهور الأمر يأخذ المتوسط بين نصيبي الذكر والأنثى، وهذا الرأي الأخير هو الأرجح.

انتهى.

أما حكم وراثة الأبناء المتوفى والدهم من جدهم، فيقول العلامة الدكتور القرضاوي[2]:

هذه مشكلة الابن حينما يتوفى في حياة أبيه وله أولاد وذرية من بعده . فحينما يتوفى الجد بعد ذلك، هنالك يرث الأعمام والعمات تركة الأب، وأبناء الابن لا شيء لهم.

هذا في الواقع من ناحية الميراث صحيح، وهو أن أولاد الابن لا يرثون جدهم مادام الأبناء أنفسهم موجودين، ذلك لأن الميراث قائم على قواعد معينة، وهي أن الأقرب درجة يحجب الأبعد درجة، فهنا مات الأب وله أبناء وله أبناء أبناء، ففي هذه الحالة، يرث الأبناء.

 أما أبناء الأبناء فلا يرثون؛ لأن الأبناء درجتهم أقرب، فهي بدرجة واحدة، وأما أبناء الأبناء فقرابتهم بدرجتين، أو بواسطة، فعندئذ لا يرث أبناء الابن.

كما لو مات الإنسان، وله إخوة أشقاء وإخوة غير أشقاء، فالأشقاء يرثون، وغير الأشقاء لا يرثون . . لماذا ؟

لأن الأشقاء أقرب، فهم يتصلون بالميت بواسطة الأب والأم، وأما غير الأشقاء فبواسطة الأب فقط . فالأقرب درجة، والأوثق صلة هو الذي يستحق الميراث ويحجب من دونه.

وهنا لا يرث الأحفاد من جدهم مادام أعمامهم يحجبونهم.
ولكن هل معنى هذا أن أولاد الابن المتوفي يخرجون من التركة ولا شيء لهم ؟ ! هنا يعالج الشرع هذه المسألة بعدة أمور.

الأمر الأول: كان على الجد أن يوصي لهؤلاء الأحفاد بشيء، وهذه الوصية واجبة ومفروضة ولازمة عند بعض فقهاء السلف . فهم يرون أن فرضًا على الإنسان الوصية لبعض الأقارب ولبعض جهات الخير وخصوصًا إذا كان هؤلاء الأقارب قريبين وليس لهم ميراث، فالشرط أن يكون الموصي له غير وارث.

 وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” إن الله أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث ” ولما أنزل الله آية المواريث (البقرة: 180)، لم يعد من حق الوارث أن يوصي له، إنما يمكن الوصية لغير الوارث، مثل ابن الابن مع وجود الابن، هنا تكون الوصية واجبة، كما جاء في القرآن الكريم بظاهر قوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) [البقرة/180] وكلمة ” كُتب ” تفيد الفرضية بل تأكيد الفرضية، كما في قوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة/183].

وفي قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى) [البقرة/178] وفي قوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ) [البقرة/216]. فهنا، كتب الله الوصية على من ترك خيرًا أي مالاً يعتد به، لمن لا يرثون منه بالمعروف حقًا على المتقين.

فمن هنا ذهب بعض السلف إلى فرضية هذه الوصية.  وبعضهم قال بأنها سنة ومستحبة، وليست لازمة.

ونحن نختار المذهب الذي يأخذ بظاهر الآية بدلاً من القول بنسخ الآية، لأنه يمكن فهم الآية على هذا النحو.

وعليه كان واجبًا على الجد أن يوصي لهؤلاء الأولاد؛ لأنهم أبناء ابنه، قرابة قريبة ولأنهم كما قالوا فقراء، ولأنهم يتامى ” فقد اجتمع عليهم اليتم والفقر والحرمان، وقد كان على الجد أن يتدارك هذا أن يوصي لهم بشيء، في حدود الثلث . لأن الوصية في الشرع الإسلامي لا تزيد عن الثلث . فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص حين سأله عما يوصي به من ماله فأجاب ” الثلث – والثلث كثير “. (متفق عليه من حديث سعد بن أبي وقاص.

هذا ما كان ينبغي أن يفعله الجد.

وبعض البلاد العربية اتخذت من هذه الآية، ومن هذا المذهب الذي يقول بها مبدأ لقانون في الأحوال الشخصية سموه ” قانون الوصية الواجبة “.
مفاده بأن على الجد أن يوصي لأحفاده الذين لا يرثون بنصيب أبيهم بشرط ألا يزيد عن الثلث . . . أي أن لهم الحد الأدنى من الثلث أو نصيب الأب.
وألزم القانون الجد بهذا إلزامًا بحيث يصبح معمولاً به لأن كثيرًا من الأجداد لم يكونوا يراعون هذا، ولم يوصوا لأحفادهم، فاجتهد هؤلاء الفقهاء، اجتهادًا جيدًا، وقالوا بالوصية الواجبة التي بينتها.
هناك أمر آخر يتدارك الشرع به مثل هذا الموقف، وهو أنه كان على الأعمام حين اقتسموا تركة أبيهم أن يعطوا شيئًا من هذه التركة لأولاد أخيهم، وهذا ما نص عليه القرآن، حيث قال في سورة النساء التي ذكرت فيها المواريث (وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا)  [النساء/8]

إذ كيف يحضر هؤلاء القسمة، والأموال توزع، وهم ينظرون، ولا يعطون شيئًا ؟ وقد قدَّم أولي القربى؛ لأنهم أحق، فما بالك بأبناء الأخ اليتامى الذي كان أبوهم واحدًا منهم، فكان على الأعمام أن يعطوا هؤلاء شيئًا يتفق عليه الأعمام بحيث يكون كافيًا يكفل حاجتهم، وخاصة إذا كانت التركة كبيرة.

وإذا كان الجد مقصرًا، فقد كان على الأعمام أن يتداركوا هذا التقصير ويعطوا هؤلاء لأنهم من أقرب أولي القربى.

ثم هناك أمر ثالث يتدارك به الشرع هذا الموقف وهو: قانون النفقات في الإسلام.

إن الإسلام تميز عن سائر الشرائع بفرض النفقة على الموسر من أجل قريبه المعسر، وخاصة إذا كان من حق أحدهما أن يرث الآخر، كما هو المذهب الحنبلي، وكذلك إذا كان ذا رحم محرم كما هو المذهب الحنفي . وذلك مثل ابن الأخ.

ففي هذه الحالة تكون النفقة واجبة، وتحكم بها المحكمة، إذا رفعت إليها قضية من هذا القبيل.
إنه لا ينبغي للعم أن يكون ذا بسطة وثروة، وعنده بنات أخيه أو أبناء أخيه، وليس لديهم شيء ومع هذا يدعهم، ويدع أمهم المسكينة تكدح عليهم وهو من أهل اليسار والغنى . . . هذا لا يجوز في شرع الإسلام، بهذا انفرد شرع الإسلام وتميز.
وقد قص علينا المرحوم الدكتور محمد يوسف موسى قصة لطيفة حينما كان يدرس في فرنسا . قال:

كنا في بيت وكانت تخدمنا فيه فتاة يظهر على وجهها مخايل شرف الأصل، فهي متماسكة وعاقلة، ولا تتبذل، فسألوا عنها: فقالوا: إن عمها المليونير فلان الفلاني، فقال: لماذا لا ينفق عليها ألا تستطيع أن ترفع أمرها للمحكمة ؟

فقيل له:

بأنه ليس لديهم قانون ملزم بمثل هذا . ثم سئل: هل لديكم أيها المسلمون قانون ينص على ذلك ؟ فقال: نعم، إن مثل هذا يجب أن ينفق على بنت أخيه، ولو رفعت دعوى إلى المحكمة لقضت لها أن تأخذ حقها منه، وألزمته بذلك إلزامًا.

 فقالت المرأة الفرنسية: لو كان لدينا قانون كهذا لما وجدت امرأة تخرج لتجهد في العمل، لأنها لو لم تفعل هذا لماتت جوعًا.

ولذا فإن قانون النفقة الواجبة انفرد به الإسلام دون سائر الشرائع والقوانين.
ويمكن لهؤلاء الصغار المحرومين أن يرفعوا قضيتهم للمحكمة إذا لم يعطهم الأعمام هذا الحق إلا بهذا السبيل.

والله أعلم.

[1] فقه السنة (3/313-314) الفتح للاعلام العربي  ـ القاهرة.

[2] من هدي الإسلام فتاوى معاصرة (1/507ـ511) دار القلم ـ الكويت ـ الطبعة الحادية عشر.