السؤال:

ما هي الكفارة لمن قتل خطأ وهو غير قادر أن يصوم؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد :-

من المقرر شرعا أن من قتل مؤمنا خطئا وجب عليه الدية بالإضافة إلى الكفارة، وهذه الكفارة مرتبة تبدأ بعتق الرقبة، وعند العجز عنها كما في زماننا، ينتقل إلى صيام شهرين متتابعين.

وعند العجز عن الصيام اختلف الفقهاء في حكم الانتقال إلى الإطعام، فذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا ينتقل إلى الإطعام، وأن الصيام يبقى في ذمة القاتل متى استطاعه وجب عليه، بينما ذهب آخرون إلى أن من عجز عن الصيام يكفيه أن يطعم ستين مسكينا قياسا على الظهار.

وهذا ما رحجه الأستاذ الدكتور حسام الدين عفانه- أستاذ الفقه وأصوله بجامعة القدس- حيث يقول:-
يقول الله تعالى: ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ) سورة النساء الآية 92.
فمن قتل مؤمناً خطأً فتلزمه الدية والكفارة وهي تحرير رقبة مؤمنة، ومن المعلوم اليوم أن عهد الرق قد ولى فيتعذر عتق رقبة مؤمنة، وحينئذ يصار إلى صوم شهرين متتابعين كما نصت الآية الكريمة: ( فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ) فإذا كان القاتل عاجزاً عن الصوم لهرم أو مرض، أو نحو ذلك فجمهور العلماء يرون أنه لا يطالب بغير الصوم، ولا يجب عليه أي شيء آخر.
ومن العلماء من قال: إن عجز عن صوم الشهرين المتتابعين ينتقل إلى إطعام ستين مسكيناً.

قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [ وكفارة القتل عتق رقبة مؤمنة بنص الكتاب سواء كان القاتل أو المقتول مسلماً أو كافراً فإن لم يجدها في ملكه فاضلة عن حاجته، أو لم يجد ثمنها فاضلاً عن كفايته فصيام شهرين متتابعين توبة من الله، وهذا ثابت بالنص أيضاً، فإن لم يستطع ففيه روايتان: إحداهما: يثبت الصيام في ذمته ولا يجب شيء آخر, لأن الله تعالى لم يذكره ولو وجب لذكره.
والثاني: يجب إطعام ستين مسكيناً؛ لأنها كفارة فيها عتق، وصيام شهرين متتابعين فكان فيها إطعام ستين مسكيناً عند عدمها ككفارة الظهار والفطر في رمضان. وإن لم يكن مذكوراً في نص القرآن فقد ذكر ذلك في نظيره فيقاس عليه. فعلى هذه الرواية: إن عجز عن الإطعام ثبت في ذمته حتى يقدر عليه وللشافعي قولان في هذا كالروايتين.انتهى.

وقال صاحب الهداية الحنفي:[ وكفارته عتق رقبة مؤمنة لقوله تعالى: ( وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ) بهذا النص ولا يجزئ فيه الإطعام لأنه لم يرد به نص والمقادير تعرف بالتوقيف ].انتهى.

وقال ابن كثير:
[واختلفوا فيمن لا يستطيع الصيام هل يجب عليه إطعام ستين مسكينا كما في كفارة الظهار على قولين:-
أحدهما:نعم كما هو منصوص عليه في كفارة الظهار، وإنما لم يذكر ههنا لأن هذا مقام تهديد وتخويف وتحذير فلا يناسب أن يذكر فيه الإطعام لما فيه من التسهيل والترخيص.
والقول الثاني لا يعدل إلى الطعام لأنه لو كان واجبا لما أخر بيانه عن وقت الحاجة ].انتهى.

ومن قال من العلماء إنه إن كان عاجزاً عن صوم الشهرين المتتابعين ينتقل إلى الإطعام اعتمد على القياس على الكفارة في الظهار بجامع أن كلاً منهما كفارة. قال الله تعالى: ( وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) سورة المجادلة الآيات 3-4 .

ولعل الأخذ بالرأي الثاني أولى، لأن فيه تحقيق المقصود من شرعية الكفارة، وهو شعور الإنسان بذنبه فينزجر عن معاودة الإثم، قياساً على جريمة أخرى انتقل فيها العاجز عن الصيام إلى الإطعام.

وخلاصة الأمر أن من الأفضل في حق من عجز عن صيام الشهرين المتتابعين أن يطعم ستين مسكيناً.

والله أعلم .