السؤال:

هل التداوي ينافي التوكل؟ وإذا كان لا ينافيه فهل يصبح التداوي واجبا بحيث يأثم تاركه؟

الجواب:

بسم الله ، والحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد:-

التداوي لا ينافي التوكل، فقد تداوى النبي صلى الله عليه وسلم إمام المتوكلين ، وحث أمته على التداوي.

جاء في الموسوعة الطبية الفقهية للدكتور أحمد محمد كنعان (رئيس قسم الأمراض المعدية بإدارة الرعاية الصحية الأولية بالمنطقة الشرقية في السعودية:-[1]

لقد كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يتداوى ، وكان يأمر بالتداوي لمن أصابه مرض مـن أهلـه أو أصحابه ، وكان صلى الله عليه وسلم يقول : ( إنَّ اللهَ أنزل الداءَ والدواءَ ، وجعل لكلِّ داءٍ دواءً ، فتداووا ولا تتداووا بالحرام ) ، قـال الإمام ابـن القيم رحمه الله تعالى : ( وهذا يعمُّ أدواءَ القلبِ والرُّوحِ والبَدَنِ وأدويتَها ).

إلا أنَّ بعض أهل العلم ذهبوا إلى عدم وجوب التداوي، لمـا ورد في القرآن الكريم على لسان أبي الأنبيـاء إبراهيم الخليـل عليـه السـلام : (( وإذا مـَرِضْـتُ فَهـُو يَشْـفينِ )) سورة الشعراء 80 ، وقول النبيِّ صلى الله عليه وسلم: ( يدخل الجنـَّةَ مـن أمَّتي سبعونَ ألفاً بغيرِ حسابٍ ، هُمُ الذين لا يَسْتَرْقُونَ ، ولا يتطيَّرون ، ولا يكتَوون ، وعلى ربِّهم يَتَوَكَّلون )(3) ، حتى صرح الحنفية بأن المجني عليه إنْ لم يداو جُرْحَهُ وماتَ بسبب الجرح كان الضَّمان على الجاني لأنَّ التــداوي عندهم ليس بواجـب على المريض !

غير أنَّ الإمام ابن القيِّم رحمه الله تعالى ردَّ على الذين قالوا بترك التداوي توكلاً على الله ، فقال :

إن التداوي لا ينافي التوكل ، كما لا ينافيه دفعُ الجوعِ والعطشِ والحَرِّ والبردِ بأضْدادها ، بل لا تتمُّ حقيقةُ التوحيدِ إلا بمباشرة الأسباب التي نصبَها اللهُ تعالى مقتضياتٍ لمسبَّباتها قدراً وشرعاً ، وإنَّ تعطيلها يَقْدَحُ في نفس التوكل ، كما يقدح في الأمر والحكمة ، ويضعفه من حيث يظنُّ مُعَطِّلُها أنَّ تَرْكَها أقوى في التوكل ، فإنَّ تَرْكَها عجزٌ ينافي التوكُّلَ الذي حقيقتُهُ اعتمادُ القلب على الله في حصول ما ينفع العبدَ في دينه ودنياه ، ودفع ما يضرُّه في دينه ودنياه ، ولا بد مع هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب ، وإلا كان معطِّلاً للحكمة والشَّرع ، فلا يجعل العبدُ عجزَه توكلاً ولا توكله عجزاً.

وبناءً عليه ذهب بعض الفقهاء إلى وجوب التداوي في الحالات التي يغلب على الظنِّ الهلاكُ بسببها ، لعموم قوله تعالى : (( ولا تُلقوا بأَيديكُمْ إلى التَّهْلُكَة )) سورة البقرة 195 .

أما مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد فيدورة مؤتمره السابع بجدَّة من 12 ـ 17 ذو القعدة 1412هـ الموافق 9 ـ 14 مايو 1992م ، فقد أصدر القرار رقم 68/5/7 الذي فصَّل القولَ في مشروعية التداوي على النحو الآتي :-

الأصل في حكم التداوي أنه مشروعٌ ، لما ورد بشأنه في القرآن الكريم والسُّنَّة القولية والفعليـة ، ولمـا فيـه مـن حفظ النفس الذي هو أحدُ المقاصدِ الكُلِّيَّة من التشريع ، وتختلف أحكام التداوي باختلاف الأحوال والأشخاص :

ـ فيكون واجباًعلى الشخص إنْ كان تركُه يفضي إلى تَلَف نَفْسه أو أحد أعضائه أو عجزه أو  كان المرض ينتقل ضررُه إلى غيره كالأمراض المعدية .

ـ ويكون مندوباًإنْ كان تركُه يؤدي إلى ضعف البدن ، ولا يترتَّب عليه ما سبق في الحالة الأولى .

ـ ويكون مباحاًإنْ لم يندرج في الحالتين السابقتين .

ـ ويكون مكروهاًإنْ كان بفعلٍ يُخاف منه حدوثُ مضاعفـات أشـدّ من العلَّة المراد إزالتها .

والله أعلم .

[1] الموسوعة الطبية الفقهية ـ الدكتور أحمد كنعان صـ (193-194 ) ـ دار النفائس ـ بيروت ـ الطبعة الثانية: 1426هـ ـ  2006م.