السؤال:

هل يجوز البيع بالتقسيط ؟

الجواب:

بسم الله ، والحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد :

فجمهور الفقهاء يرون جواز البيع بالتقسيط ، بشرط أن يَبُتَّ المتعاقدان بأنه بيعٌ مؤجَّل الثمن المتفق عليه إلى أجل معلوم ، وإن اختلف ثمن البيع الآجل عن ثمن البيع العاجل فلابد من تعيين أحد هذه الأثمان عِوَضًا عن المَبِيع قبل التفرق .

يقول الدكتور عبد الفتاح إدريس أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر :

بيع التقسيط : هو بيع الشيء بثمن مؤجَّل أكثَرَ من ثمنه إذا بِيع حالاًّ ، إذا سدد الثمن على أقساط معينة محددة الأجل .

وقد قال بحرمة هذا البيع جماعة من فقهاء الزيدية ، منهم عليّ بن الحسين والناصر والمنصور بالله ويحيى والهادَوية ، وقد بَنَوا حرمة هذا البيع على أن الزيادة في الثمن المقسَّط عِوَض عن الأجل ، وذلك هو ربا النسيئة الذي نهى عنه الشارع .

إلا أن جمهور الفقهاء يَرَونَ جوازَ هذا البيع ؛ لدخوله في عموم البيوع المدلول على حلها بالنصوص الشرعية الكثيرة ، إلا أنهم اشترطوا لِحِلِّه أن يَبُتَّ المتعاقدان بأنه بيع يؤجَّل الوفاء بثمنه إلى أجل أو آجال معلومة ، وأن يتفقا على هذا الثمن المقسَّط عند التعاقد .

ولكن إذ قال البائع للمشتري: بعتك هذه السلعة بعشرة نقدًا حالّةً وبخمسة عشر مؤجَّلة ، ثم تَفرَّقَا دون تحديد أيِّ الثمنَين يكون عوضًا للبيع فلا يحل هذا البيع ؛ لأنه من قبيل البيعتَين في بيعة واحدة ، الذي نهى عنه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيما رواه عنه أبو هريرة ، إذ قال بعض العلماء في تفسيره (بيعتان في بيعة) : هي أن يقول البائع للمشتري : أبيعك هذا الثوب بنقد بعشرة وبنسيئة (أجل) بعشرين ، ولا يفارقه على أحد البيعَين ، أي لا يتفقان على أحد الثمنَين قبل المفارقة ، فعلة النهي عن بيعتَين في بيعة : عدمُ استقرار الثمن في صورة بيع الشيء بثمنَين ، وهي نفس علة حرمة بيع التقسيط في الصورة المذكورة آنفًا ، إذا لم يَبُتَّ المتعاقدان بالسعر الذي يُبتاع به البيع ، مما يترتب عليه ترددُ الثمن بين حالتَي الحلول والتأجيل ، دون تعيين إحداهما عند العقد ، وذلك يوجب جهالةً في الثمن يبطُل بها عقد البيع ، ولهذا كان لابد من اتفاقهما على الثمن قبل التفرق ، أهو حالّ أم مؤجّل ، فإذا اتفقَا على تقسيطه على أجال محددة صحّ البيع .

وقد رُوي عن جماعة من السلف ما يُفيد جواز البيع بالتقسيط إذا تم على نحو ما ذكَرتُ ، فقد رُوي عن ابن عباس قال : لا بأس أن يقول (أي البائع) في السلعة : هي بنقد كذا وبنسيئة كذا ، ولكن لا يفترقا إلا عن رضًا ، أي بأحد الثمنَين ، ورُوي عن شعبة قال : سألت الحَكَمَ وحمادًا عن الرجل يشتري من الرجل الشيء فيقول : إن كان بنقد فبكذا وإن كان إلى أجل فبكذا ، قالا: لا بأس إذا انصرف على أحدهما ، أي اتفقَا على أحد الثمنَين قبل التفرق ، قال شعبة : فذكرتُ ذلك لمغيرة فقال: كان إبراهيم لا يرى بذلك بأسًا إذا تفرقَا على أحدهما.

وإذا جاز البيع في صورة ذكر ثمنَين للسلعة، أحدهما حالّ والآخر مؤجّل، فإنه يجوز أيضًا ذكر أثمان مختلفة للسلعة إذا بِيعَت بثمن مؤجّل يختلف باختلاف الآجال، بأن يقول البائع: أبيع هذه السلعة بعشر إذا أُجّل الثمن إلى شهر، وبخمسة عشر إذا أُجّل شهرين، وبعشرين إذا أُجّل ثلاثة. وهكذا، ولكن لابد من تعيين أحد هذه الأثمان عِوَضًا عن المَبِيع قبل التفرق.

وإذا جازت الزيادة في ثمن السلعة عند بيعها بالتقسيط على النحو السابق فلا تجوز الزيادة التي هي من قبيل فوائد التأخير عن سداد الأقساط ، كما يفعل البعض ، عندما يحدد ثمن سلعة تُباع إلى أجل ثم يحدد فائدة تُستَحق عند التأخير في سداد القسط عن ميعاده ؛ وذلك لأن فوائد التأخير هذه ربًا اتفق الفقهاء على حرمته ، فهي زيادة تؤخذ في نظير تأخير الوفاء بالقسط . والفرق بين الزيادة في ثمن السلعة المَبِيعة بالتقسيط والزيادة الناشئة عن تأخير الوفاء بالقسط أن الزيادة الأولى جزء من الثمن الذي اتفق الطرفان عليه ، وهو لا يزيد ولا ينقُص بعد تمام البيع باختلاف أحوال المشتري في الأداء ، فلو اشتَرَى سلعة بعشرة على أن يؤديَ الثمنَ بعد شهر ، ولم يتمكن من الأداء إلا بعد عام ، فلا يُلزَمُ إلا بالعشرة التي لا تزيد بزيادة مدة الأداء الفعلي ، وأما الزيادة الثانية التي هي من قبيل فوائد التأخير فإنها ليست من الثمن ، وإنما تُطلَب من أجل تأخير الوفاء بالقسط ، وتَتضاعف كلما طال تأخير الوفاء بالثمن ، وهذا ربًا ، بخلاف الصورة الأولى فهي من بيع التقسيط الذي اتفق الفقهاء على حله بضوابطه السابقة .

والله أعلم .