السؤال:

السلام عليكم عندي سؤال حول مشروعية أحد البرامج التي عملناها... نقوم بعمل برنامج إيماني في يوم عرفة لغير الحجاج وذلك في مجموعة من الجوامع والمساجد في منطقتنا ،ونوزع لذلك إعلانا يدويا وملصقات توزع على الناس وفي المساجد ، ويحتوي البرنامج -  كما هو مكتوب في الإعلان - على دروس ومحاضرات إيمانية تذكر بفضل هذا اليوم وتحث على اغتنام الوقت في طاعة الله وأهمية العمل الصالح وبعض نفحات أيام الحج ، وهي تحتوي أيضا على فترة اعتكاف من بعد صلاة الظهر حتى صلاة المغرب – نظرا لأن المسجد يغلق صباحا - ، ونختم البرنامج بفطور جماعي خيري بتبرع أحد المحسنين لأن معظم الحضور صائمون طبعاً ، ونحن نستحث الناس على المشاركة في هذا البرنامج لعدة أسباب : 1- لما ورد عن السلف الصالح من إحياء لهذا اليوم الفضيل حيث نعتمد – على سبيل المثال لا الحصر-  على ما جاء في كتاب سير أعلام النبلاء : "قال الأثرم سألت أبا عبد الله ( أحمد بن حنبل ) عن التعريف في الأمصار يجتمعون في المساجد يوم عرفة، فقال: أرجو أن لا يكون به بأس، فعله غير واحد، الحسن وبكر بن عبد الله وثابت ومحمد بن واسع ، كانوا يشهدون المسجد يوم عرفة ..." انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي ( ترجمة الأثرم تلميذ الإمام أحمد)، ج13   وجاء في تفسير ( الجامع لأحكام القرآن ) للإمام للقرطبي: "ولا بأس بالتعريف في المساجد يوم عرفة بغير عرفة، تشبيها بأهل عرفة. روى شعبة عن قتادة عن الحسن قال: أول من صنع ذلك ابن عباس بالبصرة. يعني اجتماع الناس يوم عرفة في المسجد بالبصرة..."  تفسير قوله تعالى: (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم...) البقرة/198 2-  اليوم الذي ندعوهم فيه إلى هذا البرنامج إجازة رسمية في بلدتنا وهو اليوم التاسع من ذي الحجة( يوم عرفة) ، فنحن نغتنم فرصة الإجازة وفراغ الناس من الأشغال لتجميعهم على الخير وحثهم وتشجيعهم على صيام هذا اليوم ومن ثم الفطور الجماعي الخيري الذي نجمع فيه القلوب . 3- أن هذا البرنامج وإن كان يظن أن فيه تخصيصا ، إلا أنه معتمد على أصل شرعي وهو أن صيام هذا اليوم مشروع ومسنون ، كما يفعل الكثير من طلبة العلم بالاجتماع على صيام يوم الاثنين والخميس ثم الاجتماع على الفطور الجماعي حال الافطار . فالسؤال الآن هو حول التالي : • هل يجوز إعادة هذا البرنامج سنويا بهذه الطريقة ؟ أو يحتاج الأمر إلى تعديل حتى يكون مشروعا - إن كان أصلا يدخل في غير المشروع - ؟ • هل يجوز تطبيق مثل هذا البرنامج وتعديته إلى يوم عاشوراء لأن الأسباب هي نفسها ، بحيث نعمل دروس ومحاضرات تذكيرا بفضل يوم عاشوراء بالإضافة إلى الاعتكاف والفطور الجماعي ، قياسا على البرنامج الذي نعمله في يوم عرفة ؟ أفتونا مأجورين جزاكم الله خيرا  

الجواب:

بسم الله ، والحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد :-
لا مانع من إعادة هذا الاجتماع  ما لم تصبح هذه عادة ثابتة راتبة لها وقت مخصوص وكيفية مخصوصة بحيث تصبح كالصلوات الخمس لها وقت مخصوص ، فإذا لم تصبح بهذا الشكل، ولكن تكون حسب الحاجة، أو عند الاجتماع مصادفة فلا مانع منها .. كما يشترط عدم اعتقاد أفضلية زائدة لهذا العمل غير ما قرره الشرع لأن هذا يحتاج لدليل من الوحي.

أما عن آراء العلماء في ذلك:-
فإن هذا مبني على حسب رأيهم في تعريف البدعة، فمن وسع في موضوع البدعة فإنه سيجعل ذلك من جملة البدع، ومن ضيق في مفهومها فإنه لن يدخل ذلك في البدع.

وأما من نص على الجواز من القدماء فالإمام النووي في كتاب الأذكار في أول الكتاب.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في حكم الاجتماع على الذكر وقراءة القرآن :-

إنما كان السماع الذي يجتمعون عليه سماع القرآن وهو الذي كان الصحابة من أهل الصفة وغيرهم يجتمعون عليه فكان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا اجتمعوا أمروا واحدا منهم يقرأ والباقي يستمعون وقد روي { أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على أهل الصفة وفيهم قارئ يقرأ فجلس معهم } وكان عمر بن الخطاب يقول لأبي موسى : يا أبا موسى ذكرنا ربنا فيقرأ وهم يستمعون . انتهى.

وقال في موضع آخر :-
الاجتماع على القراءة والذكر والدعاء حسن مستحب إذا لم يتخذ ذلك عادة راتبة – كالاجتماعات المشروعة – ولا اقترن به بدعة منكرة . انتهى.
وجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية:-

أورد صاحب نزل الأبرار الحديث المرفوع { لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة ، وغشيتهم الرحمة ، ونزلت عليهم السكينة ، وذكرهم الله فيمن عنده } ثم قال : في الحديث ترغيب عظيم في الاجتماع على الذكر ، فإن هذه الخصائص الأربع في كل واحدة منها ما يثير رغبة الراغبين ، ويقوي عزيمة الصالحين على ذكر الله . وفي الحديث أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { إن لله تعالى ملائكة يطوفون في الطريق يلتمسون أهل الذكر ، فإذا وجدوا قوما يذكرون الله تنادوا : هلموا إلى حاجتكم ، فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا } . الحديث ، وفي آخره { فيقول الله عز وجل : أشهدكم أني غفرت لهم . فيقول ملك من الملائكة : فيهم فلان ليس منهم ، إنما جاء لحاجة ، قال : هم الجلساء لا يشقى جليسهم } . ومن هنا مال النووي : يستحب الجلوس في حلق الذكر . وأورد ما في صحيح مسلم { أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على حلقة من أصحابه ، فقال : ما أجلسكم ؟ قالوا : جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومن به علينا . . إلى أن قال : أتاني جبريل فأخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة } .
وقال ابن تيمية : الاجتماع على القراءة والذكر والدعاء حسن إذا لم يتخذ سنة راتبة ولا اقترن به منكر من بدعة . وقال عطاء : ” مجالس الذكر هي مجالس الحلال والحرام ، أي مجالس العلم ” ولا يعني ذلك انحصار مجالس الذكر المشروعة بها ، بل هي من جملة مجالس الذكر ، وإنما أراد عطاء التنصيص على أخص أنواعه ، وليست مجالس البدع ومزامير الشيطان .
وعن الإمام أحمد : لو اجتمع القوم لقراءة ودعاء وذكر فعنه أنه قال : وأي شيء أحسن منه ، وعنه : لا بأس بذلك . وعنه : أنه محدث . ونقل عنه ابن منصور : ما أكرهه إذا اجتمعوا على غير وعد إلا أن يكثروا . قال ابن منصور يعني يتخذوه عادة . وقال ابن عقيل : أبرأ إلى الله من جموع أهل وقتنا في المساجد والمشاهد في ليال يسمونها إحياء . وكرهه مالك .
والله أعلم .