السؤال:

ما العلامات القولية والفعلية للرِّدَّة والكفر ، وما ضابط الرِّدَّة ؟ وما آثار الرِّدَّة على الزواج قبل الدخول وبعده ؟ وما طريقة العودة إلى الإسلام ، وإلى الزوجة ؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد :

عُنِيَت الشريعة الإسلامية بالمحافظة على العقيدة ، فوضعت العقوبات لمن يدخل في الإسلام ثم يرتد عنه ، وتتحقق الردة : بإنكار الله أو صفاته أو جحد النبوات ، أو صدورُ ما لا يقع إلا من كافر ، أو إنكارُ ما عُلم من الدين بالضرورة ، وإذا ثبتت الردة وقعت الفرقة بين الزوجين ؛ لأن الردة تُبطل عقد الزواج ، فإذا تاب المرتد قبلت توبته بإشهار إسلامه ، ويرجع لزوجته بعقد ومهر جديد .

يقول الشيخ جاد الحق علي جاد الحق شيخ الأزهر السابق- رحمه الله- إجابة عن سؤال مشابه :

الإسلام وواجب حفظ الدين

أولا :يقرر كل من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة أن الإسلام هو الدين الذي أُوحِيَ به إلى سيدنا محمد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأنه الدين العام الذي لا يَخُصُّ أقوامًا بأعيانهم، وأنه الدين الذي لا تَنسَخه رسالة أخرى، فهو خاتَم الرسالات إلى يوم القيامة، ورسوله خاتَم النبيين والمرسلين. قال تعالى: (قل يا أيها الناسُ إني رسولُ اللهِ إليكم جميعًا) (من الآية رقم 158 من سورة الأعراف) وقال: (ما كان محمدٌ أبَا أحدٍ من رجالِكم ولكنْ رسولَ اللهِ وخاتَمَ النبيِّين) (من الآية رقم 40 من سورة الأحزاب).

وقد أكمل الله دين الإسلام وأتمَّه ورَضِيَه للناس جميعًا، ولن يَقبَلَ منهم غيرَ الإسلام دينًا، فقال تعالى: (إن الدينَ عندَ اللهِ الإسلامُ) (من الآية رقم 19 من سورة آل عمران) وقال: (اليومَ أَكمَلْتُ لكم دِينَكم وأَتمَمْتُ عليكم نعمتي ورَضِيتُ لكم الإسلامَ دينًا) (من الآية رقم 3 من سورة المائدة) وقال: (ومَن يَبتَغِ غيرَ الإسلامِ دِينًا فلن يُقبَلَ منه وهو في الآخرةِ من الخاسرين) (من الآية رقم 85 من سورة آل عمران).

وقد روى الإمامان مسلم والترمذي عن العباس بن عبد المطلب، رضي الله عنه، عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: “ذاق طعمَ الإيمانِ من رضِيَ باللهِ ربًّا، وبالإسلامِ دينًا، وبمحمدٍ رسولاً” (صحيح مسلم بشرح النووي جـ 2 ص 2 ط. دار الكتب العلمية، بيروت. والجامع الصحيح “سنن الترمذي” جـ 5 ص 16 ط. دار الكتب العلمية بيروت).

ثانيًا :المسلم المتمتِّع بنعمة الإسلام ـ وكفى بها نعمةً ـ واجب عليه أن يحافظ عليها، فلا ينقُض إسلامَه ولا يفقِد إيمانَه بقول أو فعل يردُّه إلى الكفر بعد إذ هداه الله للإسلام.

ومن المعلوم أن الدين أحدُ الأصول الخمسة التي يحافظ الإسلام عليها؛ وهي الدين والنفس والعقل والمال والنسل، وقد ذكر فقهاء الشريعة وعلماء الإسلام أن من القول المكفِّر سبَّ الدين، والطعنَ في نزول القرآن وفي السنة النبوية الثابتة، وسبَّ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أو أحدِ الأنبياء.

كما ذكروا أن من الفعل المكفِّر السجودَ لصنم، وإهانةَ المصحف، بمثل إلقائه في القاذورات أو وَطْئِه بالأرجل، والاستخفافَ بشخصية الرسول محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ أو أحد الرسل، عليهم السلام، والاستخفافَ باسمٍ من أسماء الله، تعالى أو أمره أو نهيه أو وعده أو وعيده، والاستخفافَ بالأحكام القطعية التي بيَّنها القرآن.

قال العز بن عبد السلام: ضابط ما يُكفَّر به ثلاثةٌ:

1.ما يكونُ نفيُ اعتقاده كفرًا. كإنكار الله أو صفاته أو جحد النبوات.

2.صدورُ ما لا يقع إلا من كافر. كَرَمْي المصحف في القاذورات والتردد على الكنائس في أعيادهم ومباشرة أحوالهم.

3.إنكارُ ما عُلم من الدين بالضرورة. كإنكار حرمة القتل والسرقة والزنا وشرب الخمر والربا، أو إنكار فرضية الصلاة والصوم والزكاة والحج.

ثالثًا :أرسل الله رسلاً مبشِّرين ومنذِرين ومبيِّنِين للناس أمورَ الدين والدنيا، ومؤيَّدين بالمعجزات، وهؤلاء الرسل اصطفاهم الله من خِيرة عباده، لأنه أعلَمُ حيث يجعل رسالته، فهو القوي القادر، يفعل ما يشاء ويختار، قال الله تعالى: (اللهُ يَصطفِي من الملائكة رسلاً ومن الناسِ إن اللهَ سميعٌ بصيرٌ) (الآية رقم 75 من سورة الحج) وقال: (رسلاً مبشِّرين ومنذِرين لئلاّ يكونَ للناسِ على اللهِ حُجةٌ بعد الرسلِ وكان اللهُ عزيزًا حكيمًا) (الآية رقم 165 من سورة النساء) وقال: (اللهُ أعلمُ حيثُ يَجعَلُ رسالتَه) (من الآية رقم 124 من سورة الأنعام).

فالرسل والأنبياء محفوظون قبل بعثتهم من الدنايا وما يُخِلُّ بالشرف أو المروءة، وقد حَفِظ الله فطرتَهم من الشرك، فلم يَثبُتْ أن نبيًّا قبل بعثته كان مشركًا أو فاسقًا ؛ لأن ذلك يَنفي اصطفاءَ الله لهم ، فهم صفوة الخلق في كل شيء وفي كل عصر.

رابعًا :المرتد في اصطلاح فقهاء الشريعة هو: البالغ العاقل الراجع عن دين الإسلام طوعًا؛ إما بتصريحٍ بالكفر، وإما بلفظٍ يَقتضيه أو بفعلٍ يَتضمنه. كما سبق بيانه.

وقد عُنِيَت الشريعة الإسلامية بالمحافظة على العقيدة الإسلامية، فوضعت العقوبات الشديدة لمن يدخل في الإسلام ثم يرتد عنه.

أثر الردة على الزواج

اتفق الفقهاء على أنه إذا ارتد أحد الزوجين حِيلَ بينهما؛ فلا يَختليان خَلوةَ الأزواج، ولا يلتقيان في فراش، ولا يَمَسُّها، وتَستُرُ كافةَ جسدها عدا الوجه واليدين عنه.

وقد قال فقهاء الحنفية: إذا ارتد أحد الزوجين المسلِمَين بانت منه امرأته مسلِمةً كانت أو كتابيةً، دخل بها أو لم يدخل؛ لأن الردة تنافي النكاح، ويكون ذلك فسخًا عاجلاً لا طلاقًا، ولا يتوقف على قضاء. ثم إن كانت الردة قبل الدخول وكان المرتدُّ هو الزوج فلها نصفُ المسمَّى أو المتعة. وإن كانت هي المرتدة فلا شيء لها. وإن كان بعد الدخول فلها المهرُ كله، سواء كان المرتد الزوج أو الزوجة. (المبسوط للسرخسي، وحاشية ابن عابدين على الدر المختار جـ 1 ص 392 وبدائع الصنائع جـ 7 ص 136).

وقال المالكية في المشهور: إذا ارتد أحد الزوجين المسلِمَين كان ذلك طلقة بائنة، فإن رجع إلى الإسلام لم تَرجِعْ له إلا بعقد جديد، ما لم تَقصِد المرأة برِدَّتها فسخَ النكاح، فلا ينفسخُ، معاملةً لها بنقيض قصدها. وقيل: إن الردة فسخ بغير طلاق (حاشية الدسوقي على الشرح الكبير جـ 2 ص 270).

وقال الشافعية: إذا ارتد أحد الزوجين المسلِمَين فلا تقعُ الفرقة بينهما حتى تنقضيَ عدة الزوجة قبل أن يتوب ويرجع إلى الإسلام، فإذا انقضت بانت منه، وبَيْنُونتُها منه فسخٌ لا طلاقٌ، وإن عاد إلى الإسلام قبل انقضائها فهي امرأته (الأم جـ 6 ص 149، 150).

وقال الحنابلة: إذا ارتد أحد الزوجين قبل الدخول انفسخ النكاح فورًا، وتَنَصَّفَ مهرُها إن كان الزوج هو المرتد، ويسقُط مهرُها إن كانت هي المرتدة. ولو كانت الردة بعد الدخول ففي رواية: تُنَجَّزُ الفرقة. وفي أخرى: تتوقف الفرقة على انقضاء العدة (المغني لابن قدامة مع الشرح الكبير جـ 2 ص 198).

والردة المعتبَرة هي الصادرة عن ذات المسلم نطقًا أو كتابة أو تصديقًا لمن أخبَر بها عنه. وإذا ثبتت الردة وقعت الفرقة بين الزوجين ؛ لأن الردة تُبطل عقد الزواج .

ولما كان المرتد عن الإسلام تُقبَلُ توبته ؛ لأن الردة من كبائر المعاصي ، حيث قال الله سبحانه: (إن اللهَ لا يَغفرُ أن يُشرَكَ به ويَغفرُ ما دون ذلك لمن يشاءُ ومن يُشرِكْ باللهِ فقد افتَرى إثمًا عظيمًا) (الآية رقم 48 من سورة النساء) وقال جل شأنه: (قل يا عباديَ الذين أسرَفوا على أنفسِهم لا تَقنَطوا من رحمةِ اللهِ إن اللهَ يَغفرُ الذنوبَ جميعًا إنه هو الغفورُ الرحيم) (الآية رقم 53 من سورة الزمر) .

فإذا هداه الله وغَدَا قلبُه عامرًا بالإيمان موقنًا بالإسلام، واعتذَر بأنه قد غامَر بما قال وما فعل ـ فإنه تصحيحًا لموقفِه وتعامُلِه شرعًا وقانونًا يَتبَعُ الآتي:

أولاً:يُشهِر توبته بإعلام رسمي ، ويُثبِت في الإشهار وبعد نطقه بأنه تاب إلى الله، سبحانه، عما فعل وعما قال، وأنه يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا ـ صلى الله عليه وسلم ـ رسول الله إلى الناس كافة، وأنه بريء من كل دين يخالف دين الإسلام، ويستغفر الله، سبحانه، من كل قول أو فعل صدر منه مخالفًا لعقيدة الإسلام وشريعته، وذلك بعد التثبت من شخصيته.

ثانيًا:يَعقِد زواجه من جديد مع زوجته، ويكون تجديد عقد الزواج وَفْقًا لحكم الإسلام، أي بإيجاب وقبول، بأن تقول المرأة للرجل: زوَّجتُك نفسي على كتاب الله القرآن الكريم وعلى سنة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأن يُجيبَها الرجل فورًا: قَبِلتُ زواجَكِ لنفسي على ذلك. في حضور شاهدَين مسلمَين ، فإذا لم يتيسر هذا الإجراء فإنه يُطلَب منه أن يتوب، ويُنصَحُ بمعرفة أحد علماء المسلمين، فإن تاب في حدود ثلاثة أيام فبها ونِعمَتْ، وإلا رُفع أمرُه لقاضٍ مسلمٍ ليحكم بردته، وما يترتب على هذا من آثار شرعية يُبيِّنها القاضي في حكمه، فإذا لم يوجد قاضٍ مسلمٌ اكتُفيَ بنصحه بمعرفة أهل العلم، حتى يتوب ويجدد إسلامه وإيمانه.

والله أعلم.