السؤال:

رجل تشاجر مع زوجته فطلَّقها أثناء الشجار طلقة واحدة أولى، ولم يعلم بهذا الطلاق أيُّ شخص ثالث (أي تم الطلاق فيما بينهما) وفي نفس اليوم راجعها بقوله لها: أرجعتك إلى عصمتي. فأجابت قائلة: قبلت. وهذه الرجعة أيضًا تمت فيما بينهما بدون علم أو حضور أي شخص ثالث وبدون شهود، فهل هذا الطلاق واقع، وهل هذه الرجعة التي بدون شهود صحيحة شرعًا وتحل الزوجة لزوجها شرعا؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

فلم يقل أحد من العلماء بأن الطلاق من غير إشهاد لا يقع، وقد نقل إجماع العلماء على ذلك غير واحد من أهل العلم؛ وعليه فإذا كان زوج هذا المرأة طلقها شفهيا فقد وقع الطلاق ، والأمر لا يحتاج إلى توثيق حتى يقع ، ولكنها إجراءات مهمة قد تصل إلى الوجوب ، وحتى في حال وجوبها لا تكون شرط صحة يبطل الطلاق بعدمها.

المهم أن يكون الزوج قد نطق شفاهية بالطلاق، وإلا كانت هذه الزوجة لا تزال في حال الزوجية، ويكون زواجك بها باطلا، وكذلك الرجعة لا تحتاج إلى إشهاد.

يقول الإمام الشوكاني:-

وقع الإجماع على عدم وجوب الإشهاد في الطلاق كما حكاه الموزعي في تيسير البيان. انتهى.

ويقول الدكتور محمد أحمد سراج أستاذ الدراسات الإسلامية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة:-

يقع الطلاق بمجرد التلفظ به ممن يملكه إن صادف محله، ومعنى ذلك أن الزوج يملك تطليق زوجته التي عقد عليها عقدًا صحيحًا ويقع هذا الطلاق إن تلفظ به، وكان قاصدا له، وراضيا به . ولا يشترط جمهور الفقهاء أي: شرط شكلي كالإشهاد.

أما فقه الشيعة الإمامية فيأخذ باشتراط الإشهاد لوقوع الطلاق، ومعنى ذلك أنه لا بد من الإشهاد في هذا الفقه (فقه الشيعة الإمامية) لوقوع الطلاق.

ويجري هذا الخلاف أيضًا في الرجعة فلا يرى فقهاء أهل السنة من أحناف ومالكية وشافعية وحنابلة وظاهرية اشتراط الإشهاد في الرجعة لصحتها واستدامة الزوجية بها وترتب الأحكام الأخرى عليها، وتكون الرجعة عند هؤلاء بالقول أو بالفعل الدال على رغبة الزوج في استدامة الحياة الزوجية .

أما فقه الشيعة الإمامية فيشترط الإشهاد كذلك لصحة الرجعة وترتب الأحكام الشرعية عليها.

ومرجع الخلاف في هذا كله قول الله -تعالى-: وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ”  [الطلاق/2] عقب ذكر الإمساك (الرجعة) والفراق (الطلاق).

وقد فهم فقهاء الشيعة الأمر في (وأشهدوا) للوجوب والإلزام على حين فسر فقهاء الجمهور هذا الأمر للندب والإرشاد، أي: أن الإشهاد هو الأولى في كل من الرجعة والطلاق، وإن لم يكن شرطًا لترتب الأحكام الشرعية عليهما.

وتتجه قوانين الأحوال الشخصية المعمول بها في العالم الإسلامي في العصر الحاضر إلى الإلزام بالتوثيق في الرجعة والطلاق كوسيلة لإثبات وقوعهما لا لاشتراطه (التوثيق) في الوقوع.

انتهى.

على كل حال.. فما دام الزوج قد راجع زوجته باللفظ الصريح، وقال لها: أرجعتك إلى عصمتي فقد رجعت إليه، ولا يشترط أن تقول هي: قبلت، لأن المراجعة من حق الزوج ما دامت المرأة في العدة، فقد قال تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلاَحًا) [البقرة: 228]
فسمَّى الله الزوج المطلق (بعلاً) وجعله أحق برد المرأة إليه في ذلك (أي في وقت العدة) إن أراد إصلاح الأمور، وإعادة المياه إلى مجراها .
بل إن بعض الفقهاء يعتبر جماع الرجل لها في أثناء العدة إرجاعًا لها، يعني: أنه إرجاع بالفعل بدل القول، حملاً لحال المسلم على الصلاح، بمعنى: أنه لم يعاشرها إلا وهو يريد إرجاعها إليه .
فهذه الرجعة بالقول الصريح أولى بالاعتبار والصحة والقبول شرعًا، وتحلّ الزوجة لزوجها، والزوج لزوجته في ضوء أحكام الشريعة السمحة.

والله أعلم .