السؤال:

ما حكم تعلم العلوم الرياضية والطبيعية والفلكية وكافة العلوم المجردة من الإلحاد ؟ لأن البعض يعتبر تعلم هذه العلوم من المكروهات . وهل إذا قصَّر بعض المسلمين في تعلم وتعليم هذه العلوم يلحقهم الإثم ؟

الجواب:

بسم الله ، والحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد :

فيقول فضيلة الشيخ محمد رشيد رضا-رحمه الله-إجابة عن مثل هذا السؤال :

لمَّا حدث في المسلمين علم الكلام والجدل في الدين ، مقته وذمه غير واحد من الأئمة المجتهدين ، ولمَّا ظهرت الفلسفة اليونانية فيهم ومزجوها بمباحث العقائد ، كان بعض العلماء يقول بوجوب تعلمها للمدافعة عن العقائد ، وبعضهم يحرِّم ذلك ويقول : لا حاجة إليها في إثبات العقائد ، حتى كان في الفقهاء من حرَّم المنطق ، ولا يمكن حصر هؤلاء بأسمائهم ولا حاجة إليه .

وحسبك ما قاله الإمام حجة الإسلام في العلوم التي ليست بشرعية – أي : لم تؤخذ عن الأنبياء عليهم السلام – قال رحمه الله تعالى :  ( فالعلوم التي ليست بشرعية تنقسم إلى ما هو محمود ، وإلى ما هو مذموم ، وإلى ما هو مباح ، فالمحمود ما ترتبط به مصالح أمور الدنيا كالطب والحساب ، وذلك ينقسم إلى ما هو فرض كفاية ، وإلى ما هو فضيلة وليس فريضة ، أما فرض الكفاية فهو كل علم لا يستغنى عنه في قوام أمور الدنيا [1] كالطب ؛ إذ هو ضروري في حاجة بقاء الأبدان ، وكالحساب فإنه ضروري في المعاملات وقسمة الوصايا والمواريث وغيرهما ، وهذه هي العلوم التي لو خلا البلد عمن يقوم بها حرج أهل البلد ، وإذا قام بها واحد كفى وسقط الفرض عن الآخرين[2] ، ولا يتعجب من قولنا : إن الطب والحساب من فروض الكفايات ؛ فإن أصول الصناعات أيضًا من فروض الكفايات كالفلاحة والحياكة والسياسة ، بل الحجامة والخياطة [3]؛ فإنه لو خلا البلد من الحجام تسارع الهلاك إليهم وحرجوا بتعريضهم أنفسهم للهلاك ؛ فإن الذي أنزل الداء أنزل الدواء وأرشد إلى استعماله وأعد الأسباب لتعاطيه ، فلا يجوز التعرض للهلاك بإهماله.

وأما ما يعد فضيلة لا فريضة فالتعمق في دقائق الحساب وحقائق الطب وغير ذلك مما يستغنى ؛ ولكنه يفيد زيادة قوة في القدر المحتاج إليه[4]، وأما المذموم منه فعلم السحر والطلسمات ، وعلم الشعبذة والتلبيسات[5] ، وأما المباح منه فالعلم بالأشعار التي لا سخف فيها ، وتواريخ الأخبار [6] وما يجري مجراه ) اهـ .

ومنه يعلم أن المقصِّر في العلوم النافعة تبعة تقصيره عليه .

ثواب العلم غير الشرعي

1 –  يدخل في هذا الضابط الهندسة والميكانيكا ؛ لأن الآلات الحربية والصناعية لا تقوم بدونهما في هذا العصر ، وعلم تقويم البلدان لضرورته في الأعمال الحربية وغيرها ، وعلم الكيمياء لتوقف تركيب الأدوية عليه الآن ، وعلم الطبيعة لتوقف الصنائع عليه كالوابورات البرية والبحرية ، وغير ذلك من العلوم التي يسمونها عصرية لقيام مدنية هذا العصر بها ، وبتركها ضعف المسلمون وصاروا عيالاً على خصمائهم الطامعين في بلادهم.

2-  إنما يصح هذا إذا وفى ذلك الواحد بحاجة البلد ، وأما إذا لم يوف بها فلا تسقط االفريضة بالواحد، بل بما تقوم به المصلحة.

3- إنما عَدَّ الحجامة فريضة بسبب اعتقاد أطباء زمانه ، وعدم الاستغناء عنها ، وكذلك كان ، وأما اليوم فلا

4-  ومثل هذا علم الجيولوجيا ونحوه من الفنون التي لا تتوقف عليها مصالح البشر ؛ ولكنها مزيد كمال في العلم.

5 – عَدَّه السحر علمًا يفيد أنه ليس من خوارق العادات ، وهو ما يدل عليه القرآن ، ومعنى كونه مذمومًا أنه محرم لما فيه من خداع الناس وإيذائهم بالخداع والتمويه وبعض الأعمال الخفية أسبابها عنهم.

6- إنما يكون العلم بالأشعار والأخبار مباحًا إذا كان الغرض منها التسلي والتفكه ، وأما إذا قصد بالأشعار تعلم البلاغة وضبط اللغة ، وأريد بالأخبار الاحتجاج بها في السياسة التي منبعها التاريخ ونحوها ؛ فإنهما يكونان من الفرائض حينئذ.