السؤال:

هل يجوز لسنية الزواج برجل شيعي؟

الجواب:

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد :
الزواج لا يقوم على عاطفة الحب فقط بل هناك اعتبارات أخرى يقوم عليها الزواج حتى يكون الزواج ناجحا فعالا ، منها هذه المقومات وجود التقارب الفكري بين الطرفين ، فبطبيعة الحال إذا وجد واحد من أهل السنة مع آخر من الشيعة أن يقوم جدال ومشاحنة بين الاثنين ، فهناك من الشيعة من يتهجم على أبي بكر وعمر ،والسني بطبيعته لا يقدم على أبي بكر وعمر أحد إلا الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهنا تقوم ثورة بين الاثنين وهذه الأشياء مما تنافى مع روح الزواج ، وتذهب الحب والوئام ويحل محل الحب الشقاق والكريهة ، فعلى الرغم من كون هذا الزواج ليس محرما إلا أن الشيوخ لا يحبذونه لعدم وجود التقارب بين الرجل والمرأة الشيء الذي يفقد الزواج عوامل استمراريته .
أما إن كان الزواج بين أناس معتدلين فإنهم يستطيعون التغلب على هذه الخلافات ويستطيعون أن يسيروا في طريق آمن .
فإذا كان هذا الفتى متعصب فلا ينصح من الزواج به ، أما إن كان معتدلا فلا ضير . وهذا الأمر تفسيره راجع لك ، عن طريق معرفتك السابقة به .  على أننا نحبذ أن تتزوج السنية من سني مثلها وأن يتزوج الشيعي ممن هي على مثل حاله، حتى لا تطفو الخلافات المذهبية على السطح وتعكر عليهم صفو حياتهم.
يقول فضيلة الشيخ القرضاوي :
أنا أرى أنه لابد من التقارب بحيث أنه لا ينبغي أن يظل الزوجان في نقاش دائم، هو يقول: أبو بكر، وهي تقول: علي،أو العكس ، وليست الحياة معركة بين الزوجين، أنا لا أحرم ولكني أقول لا ينبغي، لا يستطيع لأنه لابد أن يكون هناك توافق خصوصاً لو كان شيعي متعصب، فواحد يقول: أبو بكر رضي الله عنه، والآخر يقول: لعنه الله، هذا لا ينفع ولا يستقيم هذا، لذلك أنا أقول أنه ينبغي أن يكون الزوجان متفاهمين، في ناحية الدين وفي ناحية التقارب المذهبي، فأنا لا أحرِّم لأنه أجيز الزواج من مسيحية، فإذا كان يجوز له أن يتزوج كتابية، فيجوز له أن يتزوج شيعية، ولكن ليس هذا هو الزواج المثالي، فالزواج المثالي هو أن يكون هناك تقارب ولا يكون هناك نقاش في كل قضية من القضايا، فالذي أنصح به هو الزواج من معتدلين، لقد رأيت بعض الأخوة والأخوات ولم أجد عندهم أي نوع من التعصب، ورأيت الأخ الشيعي يصلي في مساجد السنة ويقرأ كتاب السنة، ويستدل بالبخاري ومسلم، هذا ليس إنساناً متعصباً، فلما سُئلت في هذا قلت أنه يجوز أن يتزوجوا ولا حرج في هذا، وكذلك إذا كانت شيعية غير متعصبة، فهذا الذي أفتى به.
أما عن حقيقة الخلاف بين السنة الشيعة فيقول الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي:-
من المبادئ المهمة في حوارنا مع الشيعة أن نركز على مواضع الاتفاق، لا على نقاط التمايز والاختلاف.وخاصة أن معظم نقاط الاتفاق في الأمور الأساسية التي لا يقوم الدين إلا بها، بخلاف نقاط التمايز، فجلها في الفرعيات.

ومن نقاط الاتفاق بين السنة والشيعة:-
1- الإيمان بالله تعالى، والإيمان باليوم الآخر، والإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه خاتم النبيين، وأنه جاء ليتمم رسالات السماء جميعا، والإيمان بكل ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من الإيمان بجميع كتب الله، وجميع رسل الله، كما قال تعالى: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَاوَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) البقرة: 285، فهذه قواعد الإيمان الأساسية نتفق جميعا على الإيمان بها، وهي أسس الدين وركائزه.

2- الاتفاق على الإيمان بالقرآن الكريم، وأنه كتاب الله المبين، والذكر الحكيم، والصراط المستقيم، (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ {)هود: 1 وأنه محفوظ من التحريف والتبديل بضمانة الله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) الحجر:9.
وأنه لا يخالف مسلم –سني أو شيعي – في أن ما بين الدفتين كلام الله.

وبهذا المصحف وآياته وكلماته يستدل المناظرون في العقائد، ويحتج بها المستنبطون للأحكام، ويرجع إليها أهل الدعوة والتربية والتوجيه، فينهلون من معينها العذب، ويقتبسون من سناها المضيء.

أما هل هناك زيادة على هذا القرآن –وهو ما زعمه قوم- فهذا لا نثيره، لأنه استطراد لا نحتاج إليه، فهذا القدر الذي اتفقنا عليه هو الذي يلزمنا، وهو المفروض علينا اتباعه والعمل به، وعدم الإخلال بأي جزء منه: – (وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ {49} أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) المائدة: 50،49.
فهنا نجد النص القرآني يحذر الرسول من اتباع أهواء أهل الكتاب وأمثالهم، وأن يفتنوه عن (بعض ما أنزل الله إليه) إشارة إلى أن كل ما أنزل الله واجب الاتباع.

3- ومن نقاط الاتفاق: الالتزام بأركان الإسلام العملية: من الشهادتين، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت.
فالفريقان – سنة وشيعة- يؤمنون بهذه الأركان أو الفرائض، وإن وجد خلاف بينهم في بعض الأحكام، فهو كما يحدث بين مذاهب السنة بعضها وبعض، فكم من فرق بين المذهب الحنبلي مثلا والمذهب الحنفي أو المالكي، وكم من مسائل انفرد بها المذهب الحنبلي عن المذاهب الأربعة، عرفت باسم (مفردات المذهب) ونظمها بعضهم في منظومة معروفة.

ومن يقرأ كتابا يهتم بفقه الاختلاف مثل (نيل الأوطار) للإمام الشوكاني رحمه الله: يجد أنه يذكر علماء الأمصار وأئمة الفقه من أهل السنة ومن الشيعة، أو كما يسميهم هو وغيره: فقهاء (العترة) أو (آل البيت) مثل الباقر والصادق والناصر والهادي وغيرهم، فلا يكاد القارئ أو الدارس يحس بفرق معتبر بين هذه المذاهب ومذاهب السنة، إلا كما يحس الفرق بين مذاهب السنة بعضها وبعض.
وإذا كان هذا واضحا بينا في العبادات، فهو أبين وأوضح في المعاملات.

وإذا كانوا هم لا يعترفون بكتب أهل السنة التي تعد مراجعهم في الحديث النبوي، مثل الكتب التسعة: الموطأ ومسند أحمد وصحيحي البخاري ومسلم، وسنن أبي داود والترمذي وابن ماجة والدارمي، وغيرها من الكتب، فإن معظم ما ثبت عندنا بالسنة ثبت عندهم من طريق رواتهم، إما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه، وإما عن طريق إمام من أئمتهم الذين يعتبرونهم معصومين.

والمهم: أن الفقهين في النهاية –فقه السنة وفقه الشيعة- يتقاربان إلى حد كبير، لأن المصدر الأصلي واحد، وهو والوحي الإلهي المتمثل في القرآن والسنة، والأهداف الأساسية والمقاصد الكلية للدين واحدة عند الفريقين، وهي: إقامة عدل الله ورحمته بين عباده.

وكثير من الآراء التي تعتبر شاذة عندنا من أحكامهم، نجد بين أهل السنة من قال بها: إذا أجدنا البحث والتنقيب.
خذ أشهر مسألة في الفقه حدث فيها الاختلاف بين المذهبين، وهو: زواج المتعة، فقد قال بها حبر الأمة ابن عباس، وإن قيل: إنه رجع عنها، ولكن ظل عدد من أصحابه في مكة وفي اليمن يفتون بها، مثل: عطاء وسعيد بن جبير وطاوس رضي الله عنهم جميعا.

والله أعلم .

 


الوسوم: , ,