السؤال:

هل يجوز للأطباء قبول هدايا شركات الأدوية؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله،والصلاة والسلام على رسول الله،وبعد:-

الطبيب ناصح مؤتمن، وعليه أن يكون على قدر هذه الأمانة، ومن مقتضيات الأمانة أن يصف أفضل الأدوية وأرخصها بحسب علمه، فإذا وصف دواء وهو يعلم أن في السوق ما هو أنفع للمريض منه، أو أرخص منه فقد خان المريض وغشه، وهذا المعنى لا يستطيع الطبيب إنكاره بدليل أنه يشترط على الشركة بعض الأدوية المجانية مقابل تسويقه لأدويتها.

ولا يجوز للمسوقين أن يدخلوا هذه الممارسات المشبوهة، ولا أن يعودوا الأطباء على هذه العادة الذميمة، ولا أن يجرئوهم على ذلك فيحملوا إثمهم، وإثم من يجرونه إلى ذلك، وحسب المسوق أن يبين صفات الدواء الذي معه ومنافعه، وتبقى المنافسة الشريفة هي الفاعلة بين الأدوية، فيختار الطبيب للمريض أنفعها له في بدنه وماله دون سلطان عليه أو تأثير.

يقول الدكتور حمد بن إبراهيم الحيدري عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية:-
إن هذه التي يسمونها هدية هي في حقيقتها رشوة أو تأخذ حكمها؛ لأنه ينبني عليها أن الأطباء لا ينصحون للمريض من جهة اختيار السعر الأنسب، ولولا هذه الهدية لربما اختاروا الأنسب، وقد قال النبي – صلى الله عليه وسلم- “الدين النصيحة” قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: “لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم” مسلم(55).

وهذا الذي تفعله ويفعلونه ليس من النصح لعامة المسلمين، بل فيه تسبب في جلب الأرباح للشركة التي تسوق بضاعتها على حساب المستهلك، لأجل تلك الهدية أو المنفعة، وهذا من الغش، وكذلك الدعايات والمؤتمرات إذا كانت تشتمل على شيء من الغش والكذب والتدليس، فهي غير جائزة لذلك، والنبي –صلى الله عليه وسلم- يقول: “من غشنا فليس منا” مسلم(101).
فإما أن يقتصر المسوق للسلعة على بيان محاسن سلعته الحقيقية من غير زيادة، ومن غير كذب أو تلفيق على السلع المنافسة، وإلا فهو واقع في النهي فليحذر من ذلك. انتهى.

ويقول الدكتور محمود عكام أستاذ الشريعة بجامعة حلب- سوريا :-

إذا كان الطبيب يتعامل مع الشركة على أساس التسويق، بغض النظر عن صلاحية هذا الدواء المثلى للمريض، فعندها يكون قد عَدَل الطبيب عن مهمته التي يمارسها – وهي معالجة المرضى بما يناسبهم من الأدوية- إلى جعل هذا المريض محلاً أو سوقًا لتسويق بضاعته، وهذا كله لا شك غش، والغش تعريفه الشرعي: هو أن تقدم شيئًا على خلاف الوصف المطلوب منك تقديمه معمّيًا ومغالطًا، والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: “من غشنا فليس منا”.انتهى.

ويقول الدكتور أحمد سعيد حوى – مدرس الفقه وأصوله بالجامعات الأردنية-:-

هذه صورة من صور البلاء التي عمت في أيامنا هذه، والأصل في الطبيب أن يكتب الدواء الذي يراه مناسبا أو أنسب من غيره، ولا ينبغي أن يتأثر بتلك الهدايا ونحوها.

وإذا تبين أن الطبيب حينما يفضل الدواء ينظر إلى هدية الشركة الموزعة، ولا يراعي الأفضلية الطبية، أو لا يراعي السعر الأنسب للمريض عند استواء الفاعلية الطبية، فهذه خيانة ويشترك في الإثم من قدم له الهدايا ليفعل ذلك، فيجب الحذر من هذا .

ولا ينبغي أن تكون الهدية إلا إذا كانت هناك معرفة سابقة بين الطبيب والموزع، ولا يشترط فيها توزيع أو كتابة عدد معين من الدواء. انتهى.

ويضيف حامد العطار الباحث الشرعي بالموقع:-

إن المريض حينما يذهب إلى الطبيب فإنه يضع فيه ثقته الكاملة، ويقيم الطبيب مقام نفسه في اختيار ما هو أنفع له، ويوكله في ترشيح دواء مناسب له، ولا يدور بخلده أبدا أن هذا الطبيب يمكن أن يخونه، وإلا لما ذهب إليه، وأسلم إليه نفسه ومكنه منها.
فأصبح الطبيب وكيلا عن المريض في مداواته، واختيار ما ينفعه، ويصلحه، فإذا اختار له شيئا وهو يعلم أن بالسوق ما هو أنفع للمريض منه، فقد خان هذه الأمانة، وغش هذا المريض، وتربح من آثار هذه الخيانة رشوة إنما هي قطعة من جهنم.
وفي الحديث الذي رواه الحاكم وصححه السيوطي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من استعمل رجلا على عصابة، وفي تلك العصابة من هو أرضى لله منه؛ فقد خان الله ورسوله، وخان جماعة المسلمين).

كما أن الطبيب إذا فعل ذلك فإنما يكون قد فرط في فريضة إسلامية بايع النبي صلى الله عليه وسلم عليها أصحابه…. ألا وهي النصيحة، ففي صحيح البخاري أن المغيرة بن شعبة يوم مات قام جرير بن عبد الله، فحمد الله وأثنى عليه، وقال كلاما ، ثم قال:
أما بعد فإني أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، قلت: أبايعك على الإسلام، فشرط علي: (والنصح لكل مسلم). فبايعته على هذا، ورب هذا المسجد إني لناصح لكم. ثم استغفر ونزل).

وعلى ذلك فيجب على الطبيب أن ينصح المريض ، ولا يأخذ هدايا من شركات الأدوية، ويدل المريض على ما ينفعه في نفسه وماله بحسب علمه وإلا كان آثما لأنه يكون:-
1- قد فرط في النصيحة.

2- غش المريض وخانه وخذله في الوقت الذي تصور المريض فيه أنه ناصر له وأمين.

3- يكون قد أكل سحتا، وطعم رشوة، وقبض ثمن هذه الخيانة.

4- أنه يكون فرط في عقد الوكالة، وأهدر أهم قيمها وهي الأمانة.

5- أننا لو فتحنا باب الهدايا لتنافست الشركات في اجتذاب الأطباء من هذا الباب، بدلا من تحسين أدويتهم، فيقع المريض صريعا بين شركة كل همها التسويق، وبين طبيب كل همه الحصول على الهدية.

6- أن هذه الهدية يتحملها المريض في النهاية، فهي وإن كانت تدخل في بند الإعلانات إلا أن هذه المصروفات تراعى عند وضع السعر للدواء.

والله أعلم .


الوسوم: , ,