السؤال:

ما حكم سب الأموات وذكر مساوئهم؟ وكيف نوفق بين الأحاديث التي نهت عن سب الأموات مطلقا وعدم إنكاره صلى الله عليه وسلم على من أثنوا على جنازتين إحداهما كان الثناء بالخير والأخرى بالشر ؟

الجواب:

بسم الله ، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد..

فقد وردت بعض النصوص العامة تنهى عن سب الميت مسلما كان أو غير مسلم ، وهذه الأحاديث يعارضها في الظاهر حديث “أنتم شهداء الله في الأرض” فلم ينكر فيه النبي صلى الله عليه وسلم على من أثنوا بخير أو شر على الجنازة ، والجمع بين هذه النصوص فيه أقوال أظهرها أن من كان قبل الموت مجاهرا بمعصيته وفسقه فيجوز ذكر مساوئه إذا دعت لذلك مصلحة معتبرة شرعا، وإلا فالواجب إمساك اللسان حتى لا نؤذي الأحياء.

وإليك التفصيل في فتوى فضيلة الدكتور حسام عفانه –أستاذ الفقه وأصوله بجامعة القدس بفلسطين-:

وردت أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم تنهى عن سب الأموات عامة كما في حديث عائشة رضي الله عنها قالت ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا) رواه البخاري في باب ما ينهى عن سب الأموات.

وورد في الحديث عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تسبوا أمواتنا فتؤذوا أحيائنا) رواه أحمد والنسائي. وفي رواية عند ابن حبان: (لا تسبوا الأموات فتؤذوا الأحياء) وقال محقق صحيح ابن حبان: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وذكر أن الحديث رواه أحمد والطبراني . انظر صحيح ابن حبان 7/292 . ورواه الترمذي أيضاً وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي 2/190.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا مات صاحبكم فدعوه) رواه أبو داود والترمذي وابن حبان وفي رواية أبي داود: (إذا مات صاحبكم فدعوه لا تقعوا فيه) وقال الألباني: صحيح. انظر صحيح سنن أبي داود 3/926.

وجاء في الحديث عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اذكروا محاسن موتاكم وكفوا عن مساوئهم) رواه أبو داود والترمذي وابن حبان والحديث فيه اختلاف فقد سكت عنه أبو داود وصححه ابن حبان ، وقال الحافظ ابن حجر : إنه من شرط الحسن . شرح ابن علان على الأذكار 4/211 ، وذكر محقق الأذكار أن الحديث حسن بشواهده ص 141.

وعن عائشة رضي الله عنها: (أنه ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم هالك – أي ميت – بسوء فقال: لا تذكروا هلكاكم إلا بخير) رواه النسائي وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي 2/417 .

ويرى كثير من أهل العلم أن عموم هذه الأحاديث مخصوص ، ويرى بعض شراح صحيح البخاري أن ترجمة البخاري للباب بما ذكر أعلاه يشير إلى ذلك. قال الحافظ ابن حجر: [قال الزين بن المنير: لفظ الترجمة يشعر بانقسام السب إلى منهي وغير منهي ، ولفظ الخبر مضمونه النهي عن السب مطلقاً ، والجواب أن عمومه مخصوص بحديث أنس السابق حيث قال صلى الله عليه وسلم عند ثنائهم بالخير وبالشر: (وجبت وأنتم شهداء الله في الأرض) ، ولم ينكر عليهم. ويحتمل أن اللام في الأموات عهدية والمراد به المسلمون ؛ لأن الكفار مما يتقرب إلى الله بسبهم.

وقال القرطبي في الكلام على حديث “وجبت”: يحتمل أجوبة:

الأول: أن الذي كان يحدث عنه بالشر كان مستظهراً به فيكون من باب لا غيبة لفاسق أو كان منافقاً.

ثانيها: يحمل النهي على ما بعد الدفن والجواز على ما قبله ليتعظ به من يسمعه.

ثالثها: يكون النهي العام متأخراً فيكون ناسخاً وهذا ضعيف.

وقال ابن رشيد ما محصله: إن السب ينقسم في حق الكفار وفي حق المسلمين أما الكافر فيمنع إذا تأذى به الحي المسلم، وأما المسلم فحيث تدعو الضرورة إلى ذلك كأن يصير من قبيل الشهادة ، وقد يجب في بعض المواضع وقد يكون فيه مصلحة للميت كمن علم أنه أخذ ماله بشهادة زور ومات الشاهد فإن ذكر ذلك ينفع الميت إن علم أن ذلك المال يرد إلى صاحبه.

قال ولأجل الغفلة عن هذا التفصيل ظن بعضهم أن البخاري سهى عن حديث الثناء بالخير والشر وإنما قصد البخاري أن يبين أن ذلك الجائز كان على معنى الشهادة وهذا الممنوع وهو على معنى السب … وتأول بعضهم الترجمة الأولى على المسلمين خاصة والوجه عندي حمله على العموم إلا ما خصصه الدليل بل لقائل أن يمنع ما كان على جهة الشهادة ، وقصد التحذير يسمى سباً في اللغة .

وقال ابن بطال : سب الأموات يجري مجرى الغيبة فإن كان أغلب أحوال المرء الخير وقد تكون منه الفلتة فالاغتياب له ممنوع وإن كان فاسقاً معلناً فلا غيبة له فكذلك الميت ويحتمل أن يكون النهي على عمومه فيما بعد الدفن والمباح ذكر الرجل بما فيه قبل الدفن ليتعظ بذلك فسّاق الأحياء فإذا صار إلى قبره أمسك عنه لإفضاءه إلى ما قدم ، وقد عملت عائشة راوية هذا الحديث بذلك في حق من استحق عندها اللعن فكانت تلعنه وهو حي فلما مات تركت ذلك ونهت عن لعنه … قوله : ( أفضوا ) أي وصلــوا إلى ما عملـوا من خير أو شر واستدل به على منع سب الأموات مطلقاً وقد تقدم أن عمومه مخصوص وأصح ما قيل في ذلك أن أموات الكفار والفساق يجوز ذكر مساوئهم للتحذير منهم والتنفير عنهم . وقد أجمع العلماء على جواز جرح المجروحين من الرواة أحياءاً وأمواتاً ] فتح الباري 3/502-503 .

وقال الإمام النووي:

 [قال العلماء: يحرم سب الميت المسلم الذي ليس معلناً بفسقه وأما الكافر والمعلن بفسقه من المسلمين ففيه خلاف للسلف وجاءت فيه نصوص متقابلة وحاصله أنه ثبت في النهي عن سب الأموات ما ذكرناه في هذا الباب وجاء في الترخيص في سب الأشرار أشياء كثيرة منها ما قصه الله علينا في كتابه العزيز وأمرنا بتلاوته وإشاعة قراءته ومنها أحاديث كثيرة في الصحيح كالحديث الذي ذكر فيه صلى الله عليه وسلم عمرو بن لحي ، وقصة أبي رغال الذي كان يسرق الحاج بمحجنه ، وقصة ابن جدعان وغيرهم، ومنها الحديث الصحيح الذي قدمناه لما مرّت جنازة فأثنوا عليها شراً فلم ينكر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم بل قال: (وجبت).

واختلف العلماء في الجمع بين هذه النصوص على أقوال أصحها وأظهرها أن أموات الكفار يجوز ذكر مساوئهم وأما أموات المسلمين المعلنين بفسق أو بدعة أو نحوهما فيجوز ذكرهم بذلك إذا كان فيه مصلحة لحاجة إليه للتحذير من حالهم والتنفير من قبول ما قالوه والاقتداء بهم فيما فعلوه وإن لم تكن حاجة لم يجز ، وعلى هذا التفصيل تنزل هذه النصوص . وقد أجمع العلماء على جرح المجروح من الرواة والله أعلم ] الأذكار ص 141 .

وخلاصة ما يؤخذ من هذه الأحاديث ما يلي :

1- تحريم سب الأموات لأنهم قد أفضوا إلى ما قدموا من خير أو شر فلا فائدة من سبهم ولأن ذلك يؤذي الأحياء .

2- حرمة الأموات من المسلمين كحرمة الأحياء منهم.

3- يجوز ذكر الأموات بما فيهم إن كان لمصلحة شرعية لا تتحقق إلا بذلك كتحذير الناس من بدعته والاقتداء بآثاره والتخلق بأخلاقه.

4- الكافر والمنافق معلوم النفاق كلام أهل الإيمان فيه شهادة عليه فمن ذكره المؤمنون بشر فقد وجبت له .

والله أعلم.