السؤال:

هل يُشترط أن يكون الداعي عدْلاً ، يَعني لا يجوز له أن يدعوَ غيرَه إلا إذا كان عامِلاً بعِلْمِه ؟

الجواب:

بسم الله ، والحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد :

فكل داعٍ إلى الله عليه واجبان ، واجب العمل وواجب الدعوة ، ولا تَلازُمَ بينهما ، ذلك أن كل الناس مُعرَّضون للمَعصية ، فلا يَسقط وجوب الدعوة عمَّن لا يَمتثل ما يدعو إليه ، كما لا يجوز رفْضُ الدعوة ممَّن لا يَعمل بعلْمه .

 

يقول الشيخ جاد الحق علي جاد الحق شيخ الأزهر السابق-رحمه الله-في كتاب “بيان للناس” :

إن عمل الإنسان بما يَعلمه أمرٌ مفروضٌ عليه ، لا يَتعارَض مع غرَضٍ آخر ، وهو مِن الداعي صفةُ كمالٍ ، بمعنى أن دعوته يُرجَى لها النجاح لو كان مُمْتثِلًا لمَا يأمر به . وهناك نقطتانِ هامتانِ ؛ إحداهما تتصل بالداعي ..وهي :

هل يَسقط وجوب الدعوة عمَّن لا يَمتثل ما يدعو إليه ؟

والثانية تتصل بالمدعوِّ وهي : هل يجوز له رفْضُ الدعوة ممَّن لا يَعمل بعلْمه ؟

 

أمَّا جواب السؤال الأول فهو أن أكثر العلماء على أن عدالة الداعي غير مَشروطة ، فعليه واجبانِ ، واجب العمل وواجب الدعوة ، ولا تَلازُمَ بينهما ، ذلك أن كل الناس مُعرَّضون للمَعصية ، وإذا جاز لشارب الخمر وغيره الجهادُ في سبيل الله لمَنْع الكفار مِن التعرُّض للدعوة ، أو لدعوتهم إلى الإسلام ومَنْعهم مِن الكفر ، فيجوز قيام الفاسق بالدعوة والنُّصْح مع مُطالبته أيضًا بالاستِقامة .

 

قيل للحسن البصري : إنَّ فلانًا لا يَعِظ ويقول : أخافُ أن أقولَ ما لا أفعل ! قال الحسن : وأيُّنَا يَفعل ما يقول ؟ وَدَّ الشيطان أنه قد ظفِر بهذا ، فلم يأمر أحدٌ بمَعروف ولم يَنْهَ عن منكر .

 

وأما جواب السؤال الثاني فهو أن الداعيَ إذا وجَبَ عليه أن يَعمل بعلْمه فإن المدعوَّ يجب عليه أن يتعلَّم ما يَجهله ، ولا يترتب واجب شخص على واجب شخص آخر ، فعلى المدعُوِّ أن يتعلَّم ما يُفيده حتى مِن الكافر ، وعليه في الوقت نفسه أن يُعلَّمَ الداعيَ بمعنًى يَعِظُه ويَنهاهُ عن المنكر ، فالتواصي بالحق قيمة إنسانية مُتبادَلة بين المسلمين جميعًا ، والمؤمن مِرآة أخيه ، وقد يكون الكامل في ناحية ناقصًا في ناحية أخرى.

 

والمجتمع وَحدةٌ متكاملة في تبادُل الخِدمات وإذا كان الله ـ سبحانه ـ قد ذَمَّ اليهود بقوله : (أتَأمُرُونَ الناسَ بالبِرِّ وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكُمْ) (البقرة: 44) وإذا كان قد قال للمؤمنين : (يا أيُّهَا الذينَ آمنوا لِمَ تَقولونَ ما لا تَفعلونَ . كبُرَ مَقْتًا عندَ اللهِ أنْ تَقُولوا ما لا تَفعلونَ) (الصف: 2 ـ 3) فليس معنى ذلك أنه يَمنعهم مِن القول والأمْر بالبِرِّ ، بل يَستحثُّهم على الامتثال قيامًا بالواجب ، ورجاءَ أن تُجدِيَ دعوتُهم .

 

وإذا صحَّ أن بعض العلماء القُدامَى لم يَدْعُ الناس إلى تحرير الأرِقَّاء إلا بعد أن جمع مِن المال ما يشتري به عبْدًا ويُعتقه ، فإنَّ ذلك أسلوبٌ مِن أساليب السرعة في الاستجابة والامْتثال ، وهو كمال لا يُنكَر فيمَن يُمارسون الدعوة ، ولكنه لو قال لهم: حَرِّرُوا العبيد وتَقَرَّبُوا إلى الله بإعْتاقهم . كان ذلكَ كافيًا لإبْراءِ ذِمَّتِهِ مِن الدعوة إلى الخير .

 

وإذا كان بعض الشعراء يقول :

                 لا تَنْهَ عَن خُلُقٍ وتَأْتِيَ مِثْلَهُ    عارٌ عليكَ إذَا فَعَلْتَ عَظيمُ

 

فهو دعوةٌ منه إلى واجب ومندوب ، أما الواجب فهو التخلِّي عن المنكر الذي يدعو غيره إلى البُعد عنه ، وأمَّا المندوب فهو مُطابقة قولِه لفِعْلِه ليَستجيبَ المَدْعُوُّون إليه .

 

وفي مقابل هذا القول يقول شاعر آخر :

        اعمَلْ بعِلْمي ولا تَنْظُرْ إلى عمَلي      يَنفعْك علْمي ولا يَضرُرْكَ تَقْصيري

 

ونحن مَأمورون بأخْذ الحِكْمة مِن أيِّ مصدر كان حتى لو كانت مِن كافر ، ففي الحديث : “الحِكْمة ضالَّةُ المُؤمن يأْخذها أنَّى وَجَدَها” أو “خُذِ الحِكْمة ولا يَضرُّكَ مِن أيِّ وِعاءٍ خَرَجَتْ” . (رواه الترمذي وقال: حديث غريب. مفتاح دار السعادة 1 /74) .

 

وقد صحَّ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: “أصدقُ كلمة قالها لَبِيدٌ :

            ألاَ كُلُّ شيءٍ مَا خَلاَ اللهَ باطلُ   وكلُّ نَعيمٍ لا مَحالةَ زَائلُ” (رواه مسلم) .

 

إنَّ هناك مَنطقًا غريبًا عند مَن يُشككون الناس في العلماء ، ويُحاولون نزْع الثقة منهم وصرْف العامَّة عنهم ؛ لأن بعضهم ، وليسوا كلهم ، ليس على مُستوَى المَطلوب مِن الاستقامة والتقوى والطاعة ، حتى لو كان علْمُه غزيرًا وحُجَّتُه قوية ، ويُوجِبون التلازُمَ بين قَبول العلْم والسلوك ، فإن هؤلاء المُضلِّلين المُرْجِفين يُقبِلون بنَهَمٍ وثِقَةٍ على تلقِّي العلوم الأُخرى ، لا مِن فُسَّاق المسلمين فحسْبُ بل من الكفار والملحدين الذين لا يؤمنون بأيِّ دينٍ ، ويُشيدون بذِكْرهم في المَحافل ويُلَقِّبُونَهم بأحسن الألقاب ، لماذا ؟ لأنهم استفادوا مِن علْمهم دون اهتمام بعَقائدهم وبسلوكهم ، فلِمَ لا يكون مَوقفُهم مِن علماء المسلمين كهذا الموقف ؟

 

إننا إذْ نَشكر أكثر المسلمين على حُبِّهم للعلماء ، وأمَلِهم أن يكونوا في قمَّة الفضل والاستقامة بمُطابقة أقوالهم لأفعالهم ، فيكونوا قُدوة وورثة للأنبياء في علْمهم وفي سُلوكهم ـ فإننا نرفض ذلك مِن هذه القلَّة التي تُريد أن تُبعد العلماء عن الساحة .

 

إن الأمر فيه سِرٌّ ، وسرٌّ خطير ، هو ـ كما أظنُّ ـ مُحاولةُ إقامة سدٍّ بين الشباب وبين العلماء عامةً ؛ لتقصير أحدهم أو قلَّة نادرة منهم ، حتى لا يَزحَموا بعلْمهم الصحيحِ ما أوْدَعُوه في أذهان الأغرار مِن أباطيل يُحققون بها غرَضهم .

 

إن أكثر ما يأخذون على بعض علماء الدِّينِ سُنَّةٌ مِن السُّنَن لم يَلتزمُوها ، لا مُنكَرٌ مُجْمَعٌ على إنكاره ارتكَبُوه ، فهم يجعلون من الحبَّة قُبَّة ، ومِن المندوب واجبًا ، جهلًا منهم بأحكام الدين ، وفي الوقت نفسه سوءُ نِيَّةٍ منهم نحو العلماء ، وهل يُريدون إخلاء الميدان وفسْح المجال لأضاليلهم ودعاتهم المَدفوعينَ بدَوافعَ يعلمُ الله مدَى صِحَّتها أو زَيْفها لِيَصلوا إلى ما يُريدون ، مما يُمكن أن يُحقَّق بأسلوب مَشروع لو عَرَفُوه ؟ وهل هم ـ على جهلهم ـ مُلتزمون كل الالتزام بأوامر الدين واجبها ومَندوبها ، بَعيدونَ عن كل ما نهى عنه الشرْع ، حرامِهِ ومَكروهِهِ ؟ هل هم مَعصومون مُبَرَّءُونَ مِن كل عيْبٍ ونقْصٍ ، وآباؤهم الذين علَّموهم وحفظوا لهم تراث الإسلام مُنحرفون ؟ ألا إن ذلك هو الضلال المبين .

والله أعلم .

ارتكاب المنكرات والعمل في الدعوة

من أخلاق الموقعين عن رب العالمين

 


الوسوم: ,