السؤال:

تناقلت لنا الأخبار أن حريقا شب في إحدى السفن وهي في عرض الماء، والناس أحد فريقين بين منتظر للسلامة على السفينة وبين قافز في الماء، وهنا تساءلت هل يجوز لمن كان في مثل هذه السفينة أن يقفز في الماء أم ينتظر في السفينة التي تحترق؟ وجزاكم الله خيرا

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

فإذا وقع حريق في السفينة على المسلم أن يفعل ما فيه نجاته أو ما غلب على ظنه أن نجاته به، وذلك لأن الشريعة قد جاءت بحفظ النفس من الهلاك، فإن استوى عنده الأمران فله أن يأخذ بأيسرهما.

فقد امتن الله على عباده في غير ما آية من كتاب الله بأن يسَّر لهم ركوب البحر، فقال سبحانه: (والفلك التي تجريفي البحر بما ينفع الناس) [البقرة: 164] وقال:  (هو الذي يسيركم في البر والبحر) [يونس: 22]

وركوب البحر مقيد بأن تغلب السلامة على راكب البحر، بحيث يكون البحر ـ حال الركوب ـ هادئاً، والمركب صالحاً للإبحار، فإن كان البحر هائجاً حالالركوب، أو غلب على ظنِّ أهل الخبرة هيجانه أثناء الإبحار، حرم ركوبه لما فيه منالتغرير بالنفس، وكذلك إذا علم أن المركب غير صالح للإبحار فلا يجوز له أن يبحر فيها أيضًا؛ لأنه يحرم تعريض النفس للهلاك، والغرق من أسباب الهلاك.

وإذا أبحر ثم حدث حريق اشتعل في السفينة، فإن غلب على ظنه أن هذا الحريق سيطفأ، أو أنه سيسلم فلا يجوز له أن يلقي نفسه في الماء.

أما إن غلب على ظنه أنه سيسلم إذا قفز للماء فعليه أن يلقي نفسه في الماء، وإن استطاع أن يأخذ طوقا من أسباب النجاة فعليه أن يأخذ.

أما إن استوى عنده الأمران فله أن يأخذ بأيسرهما بالنسبة له، و ذلك لأن حفظ النفوس واجب ما أمكن.

جاء في المغني لابن قدامة:

فإذا ألقى الكفار نارا في سفينة فيها مسلمون فاشتعلت فيها، فما غلب على ظنهم السلامة فيه، من بقائهم في مركبهم، أو إلقاء نفوسهم في الماء، فالأولى لهم فعله، وإن استوى عندهم الأمران، فقال أحمد كيف شاء يصنع قال الأوزاعي هما موتتان، فاختر أيسرهما.

وقال أبو الخطاب: فيه رواية أخرى أنهم يلزمهم المقام؛ لأنهم إذا رموا نفوسهم في الماء، كان موتهم بفعلهم، وإن أقاموا فموتهم بفعل غيرهم. أهـ

وجاء في المنثور في القواعد الفقهية:

إذا ألقي في السفينة نار واستوى الأمران في الهلاك أي المقام في النار وإلقاء النفس في الماء فهل يجوز إلقاء النفس أو يلزمه المقام ؟ وجهان : أصحهما الأول.أهـ

وجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية:

إذا وقع حريق في سفينة، وعلم أنه لو ظل فيها احترق، ولو وقع في الماء غرق. فالجمهور (المالكية والحنابلة والشافعية، وهو قول أبي حنيفة ) على أن له أن يختار أيهما شاء. فإذا رمى نفسه في الماء ومات جاز، ولا يعتبر ذلك انتحارا محرما إذا استوى الأمران.

وقال الصاحبان من الحنفية، وهو رواية عن أحمد : أنه يلزمه المقام والصبر، لأنه إذا رمى نفسه في الماء كان موته بفعله، وإن أقام فموته بفعل غيره كذلك جاز له الانتقال من سبب موت إلى سبب موت آخر، إذا كان في السبب الذي ينتقل إليه نوع خفة مع التأكد من القتل فيهما عند أبي حنيفة… أما إذا ظنَّ السلامة في الانتقال من سبب إلى سبب آخر للموت، أو رجا طول الحياة ولو مع موت أشد وأصعب من الموت المعجل، قد صرح المالكية بوجوبه، لأنَّ حفظ النفوس واجب ما أمكن، وعبَّر الحنابلة بأنَّه هو الأولى، ممَّا يدل على عدم الوجوب.

والله أعلم.