السؤال:

نحن أربعة إخوة : الأول والثاني أتَّما تعليمهما الجامعي ، وأنا وأختي الصغيرة نعمل مع الوالد في الحقل ، ومع إنفاق والدنا على اللّذين تعلَّما فقد ساعدهما على الزواج ، ألا يصِحُّ أن يعوِّضنا الوالد بمبلغ يوازي ما أنفقَه على الكَبيرَين؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد :

يَعتَبِر القرآن الأولاد نعمةً ، وفي الوقت نفسه يَعتَبِرُهم فتنةً ، واختبارًا بالنسبة للآباء ، وتمييز الأولاد بعضهم على بعض – إذا لم يكن هناك سبب واضح للتمييز – يُعتَبَر صورة من صوَر الافتِتان بالأولاد .

يقول الدكتور محمد البهي عميد كلية أصول الدين الأسبق- رحمه الله- إجابة عن مثل هذا السؤال :

يَعتَبِر القرآن الأولاد نعمةً ، وفي الوقت نفسه يَعتَبِرُهم فتنةً ، أي محنة ، وبلاءً ، واختبارًا بالنسبة للآباء .

1 ـ فأب الأولاد قد يمنع إنفاق الخير على الآخرين عدا أولاده ، حرصًا على هؤلاء الأولاد .

2ـ وقد يعتزُّ بهم كعَصبية له ، ويطغى بهذه العصبية ويعتدي بها على مَن سواه .

3 ـ وقد يمتنع على أن يُسهم في الجهاد بنفسه أو بماله في سبيل الله والمصلحة العامة ، بسبب الميل إلى الأولاد والخشية عليهم .

4 ـ وقد يميِّز بعضهم على بعض في الأموال ، فيوجد بينهم العداوة والبغضاء .

واعتبرهم القرآن فتنةً لآبائهم في قول الله-تعالى- : (إِنَّمَا أَمْوالُكُمْ وأَوْلادُكُمْ فِتنَةٌ واللهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) (التغابن: 15). أي : لا تُخدَعوا بالأموال والأولاد فتسلُكوا بسببها مسلكًا منحرفًا يقوم على الاعتداء والطُّغيان.. أو على التقصير في شأن ما يجب أن يعمل ، فالأموال والأولاد إذا كانت نعمةً عظيمةً في الدنيا، فما عند الله في الآخرة خيرٌ وأعظم منها ، ولا ينال إنسان ما عند الله في آخرته حتى يكون مسلكُه إزاءَ نعمة الله في الدنيا مسلكًا مُعتَدِلاً ومستقيمًا، بعيدًا عن الضَّرَرِ والإيذاء .

وتمييز الأولاد بعضهم على بعض ـ إذا لم يكن هناك سبب واضح للتمييز كعاهةٍ دائمة لأحدهم ـ يُعتَبَر إذن صورة من صوَر الافتِتان بالأولاد. ولذا يُوصِي الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالعدل فيما بينهم. إذ يُروَى عن النعمان بن بشير قوله: “أن أباه انطلقَ به وهو يَحمِلُه إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: يا رسول الله: اشهَدْ أنِّي قد نَحَلْتُ ـ أعطيتُ ـ النعمان: كذا.. كذا.. من مالي. فقال: أكلَّ بَنِيكَ قد نَحَلْتَ مِثْلَ هذا؟. قال: لا، قال: فأشهِد على هذا غيري.. ثم قال: أيسُرُّك أن يكونوا إليك في البِرِّ سواء ـ أي هل تكون فَرِحًا ومسرورًا إذا قاموا جميعًا برعايتك عند الحاجة لا يتخلَّف واحد عن الآخر.. ولا يُقَصِّر واحد من بينهم عن الآخرين؟ ـ قال: بلى. قال: اتَّقوا الله، واعدِلوا في أولادكم”.

والوالد في هذا السؤال لم يَقصِد إلى تمييز الولدين الكَبيرين بالتعليم وأن يؤثِرَهما بالوضع الاجتماعي المُمَيَّز الذي حصلا عليه عن الولدين الصغيرين. وكذلك لم يقصد إلى غَبْن هذين الولدَيْن الصغيرين من أولاده، حين استصحبَهما معه للعمل في الحقل والفلاحة، ولكن هي عادة جارية في الريف: يُبقي المالك الصغير بعضًا من أبنائه للعمل في الزراعة؛ محافظةً على التقاليد، ويُرسِل البعض الآخر منهم إلى المدارس للتعليم؛ رغبةً في مُجاراة روح العصر. والصُّدْفة وحدَها هي التي تُفَرِّق بين الأولاد. هذا إلى اتجاه.. وذاك إلى اتجاه آخر.

ومن أجل ذلك: الأب غير آثم هنا في حقِّ الولدين الصغيرين ، ولكنه ـ ربّما يُثاب على ذلك أيضًا من الله سبحانه ـ إذا عوَّض هذين الولدين الصغيرين مما يَملِك من مال وأرض زراعية ، بحيث يُزِيل من نَفْسَيْهِمَا كلَّ أثر لحقد على الأخوين الكبيرين ، وعليه كذلك.. وبحيث يُشعِرُهما بالمُساواة في الاعتبار لأخويهما الموظَّفين.

والأخوان الكبيران ، إن كانا عاقلين ، وغير أنانيّين سيُساعدان والدهما على تنفيذ ذلك ، ويُسَرّان مما يفعل ، فالمال عندما يضُمُّ الصفوف ويُصفِّي النفوس ، يكون قد استُخدم استخدامًا حسنًا ، وعندما يفرِّق.. ويدعو إلى الشَّحْناء ، يكون قد استُخدم استخدامًا سيئًا .

والله أعلم .