السؤال:

كيف يكون حكم الزكاة في بلد الإقامة وفي البلد الأصلي؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد :

فإن العلماء قالوا في الذهب الذي تمتلكه المرأة فإن كانت المرأة تتحلى به  فإن الجمهور على عدم وجوب زكاته، وذهب الحنفية وبعض أهل العلم إلى وجوب زكاته ومن احتاط فهو خير له.

وما زاد عن المعتاد وجبت فيه الزكاة. علماً بأن المعتاد يختلف من زمان إلى زمان ومن مكان إلى مكان ومن أسرة إلى أسرة حسب الوضع الاجتماعي.

يقول الدكتور أحمد الشرباصي -الأستاذ بجامعة الأزهر- في رده على  سؤال مماثل :
رَوى أصحاب السُّنَنِ عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جَدِّهِ -رضي الله عنهم- أن امرأةً أتتْ النبي -صلى الله عليه وسلم- ومعها بنت لها، وفي يَدِ ابنتها مَسَكتانِ غليظتان من ذهبٍ.
(والمَسَكة ـ بفتح الميم والسين ـ هي : السِّوار). فقال لها : أتعطين زكاة هذا؟ فقالت : لا. قال : أيَسُرُّكِ أنْ يُسَوِّرَكِ اللهُ بهما يوم القيامة سِوارَينِ من نارٍ (أي لعدم زكاتهما)، فخلعتهما فألقتهما إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وقالت : هما لله ولرسوله : أي لإنفاقهما في سبيل الله).
وعن أم سلمة -رضي الله عنها- قالت : كنتُ ألبس أوضاحًا من ذهبٍ (والوَضَحُ ـ بفتح الواو والضاد ـ هو: الخَلْخَالُ لوُضوحه وبَيَاضِهِ) فقلت : يا رسول الله، أكنزٌ هذا؟ فقال: ما بلغ أن تُؤدَّى زكاته فزُكِّيَ فليس بكَنْزٍ. (رواه أبو داود والحاكم).

وكذلك رُوي عن عائشة -رضي الله عنها- قالت : “دخل عليَّ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فرأى في يدي فَتَخَاتٍ من وَرِقٍ (والفَتَخَةُ ـ بفتح الفاء والتاء ـ هي : الخاتم الكبير من الفِضَّةِ) فقال: ما هذا يا عائشة؟ قلت : صنعتُهنَّ أتَزَيَّنُ لكَ يا رسول الله. قال : أتُؤَدِّينَ زكاتَهُنَّ؟ قلت : لا. قال : هو حسبك من النار”. (رواه أبو داود والحاكم).
وقد ذهب بعض الأئمة -استنادًا إلى هذه الأحاديث- إلى وجوب إخراج الزكاة عن الحُليِّ التي تلبسها المرأة أو تمتلكها، وذهب ابن حزم إلى أن الزكاة واجبة في حُليِّ الذهب والفضة، سواء أكانت حلىَّ رجلٍ أم حلىَّ امرأة، وكذلك حِلْيةُ السيف والمصحف والخاتم، وكل مصنوع من الذهب والفضة، حلَّ اتِّخاذُه أم لم يَحِلّ.
ولكن الترمذي حكم بضعف السند في الحديث الأول لوجود ابن لهيعة فيه، وكذلك قال بعض الأئمة إن الأحاديث السابقة قيلت قبل حِلِّ الذهب للنساء، أو من باب التزهيد في الزينة.
وكذلك رُوي عن نافع عن عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أن ابن عمر كان يُحلي بناته وجواريه بالذهب، ثم لا تخرج منه الزكاة. رواه مالك والشافعي. وكذلك رَوى البيهقي والشافعي عن عمرو بن دينار ـ رضي الله عنهما ـ قال: سمعت رجلاً يسأل جابر بن عبد الله على الحُليِّ: أفيه زكاة قال: لا. قال : وإن كان يبلغ ألف دينار ؟ قال: وإن كثُر.
وكذلك روى الدارقطني أن أسماء بنت أبي بكر ـ رضي الله عنهما ـ كانت تُحلي بناتها الذهب نحو خمسين ألفًا ولا تُزكِّيه.
وكذلك روى مالك أن عائشة كانت تُحلِّي بنات أخيها يتامَى في حِجرها، لهن الحليُّ فلا تُخرج منه الزكاة.
ولذلك ذهب الشافعية والمالكية والحنابلة إلى أن الزكاة غير واجبة في الحلي التي تستعملها المرأة كالقِرْط والخاتم والسُّوار والخَلْخال ونحوه، وجاء في المذهب الحنبلي أنه لا زكاة في الجواهر التي يُتَحلَّى بها كالماس واللؤلؤ والمرجان. ويروى عن أنس رأْيٌ ثالث، وهو أن الزكاة تجب في الحلي مرة واحدة، ثم لا تجب بعد ذلك.

وهذا كله يقال طبعًا في حُلِيِّ التزيُّن، أما إذا كان الحلي للاتِّجار فيها، كما إذا اشترت المرأة الحلي، وتاجرت فيها، فإنها في هذه الحالة تجب فيها الزكاة وتُعَدُّ من عُرُوض التجارة.

والنفس تطمئن إلى أن حلى المرأة إذا كانت للزينة، وكانت في قيمتها لا تزيد عن الحدِّ المعروف المألوف لمَن في مستواها مِن مَثيلاتها، فإنها في هذه الحالة تعدُّ جزءًا مما تحتاج إليه المرأة في زينتها ولبسها؛ ولذلك لا تجب فيها، وأما إذا كانت الحلي التي توجد عند المرأة أكثر من حاجتها للزينة، وحازت المرأة هذه الحلي لتُتاجر فيها، أو لتَكنزها وتدخرها، فإنَّ الحلي في هذه الحالة تجب فيها الزكاة. أهـ

وعلى أية حال إن وجبت الزكاة في مال فإنها تخرج [أي الزكاة] في بلد المال الذي وجبت فيه. أما عن نقل مال الزكاة من بلد الإقامة والوجوب إلى بلد المزكي فإن الفقهاء قالوا في هذا الشأن : إن كان البلد الذي يعيش فيه الإنسان لا يوجد فيه مستحق للزكاة فإنه في هذه الحالة يجوز له أن ينقل مال الزكاة.
قال الشيخ القرضاوي : وإذا كان الأصل المتفق عليه أن الزكاة تفرّق في بلد المال الذي وجبت فيه الزكاة فإن من المتفق عليه كذلك أن أهل البلد إذا استغنوا عن الزكاة كلها أو بعضها، لانعدام الأصناف المستحقة أو لقلة عددها وكثرة مال الزكاة – جاز نقلها إلى غيرهم: إما إلى الإمام ليتصرف فيها حسب الحاجة أو إلى أقرب البلاد إليهم…
وأما النقل عند عدم استغناء أهل البلد فاختلفوا فيه.

وقد تشدد بعض المذاهب فلم يجز النقل إلى بلد آخر أو إلى مسافة تقصر فيها الصلاة، ولو كان ذلك لحاجة. أما الحنفية فقالوا : يكره نقلها إلا أن ينقلها إلى قرابة محتاجين؛ لما في ذلك من صلة الرحم، أو إلى فرد أو جماعة هم أمس حاجة من أهل بلده، أو كان نقلها أصلح للمسلمين، أو من دار الحرب إلى دار الإسلام، لأن فقراء المسلمين الذين في دار الإسلام أفضل وأولى بالمعونة من فقراء دار الحرب، أو إلى عالم أو طالب علم، لما فيه من إعانته على رسالته، أو كان نقلها إلى من هو أورع أو أصلح أو أنفع للمسلمين، أو كانت الزكاة معجلة قبل تمام الحول؛ فإنه في هذه الصور جميعها لا يُكره له النقل. أهـ

ويلخص فضيلة الدكتور أحمد طه ريان -الأستاذ بجامعة الأزهر الكلام السابق- فيقول :

ومن هنا أقول لصاحب السؤال: إذا وُجد مستحق للزكاة في البلد الذي يعيش فيه صُرفت إليه على رأي جمهور الفقهاء، ولا يجوز نقلها إلى أقارب المحتاجين، أما أبو حنيفة فيُجيز النقل للمبرِّرات المذكورة، ومنها صلة الرحم، أو شدة الحاجة، ولا مانع من الأخذ برأيه، فهو ينظر إلى المصلحة الراجحة” المغني لابن قدامه جـ 2 – صـ 531،532، نيل الأوطار للشوكاني جـ 4 صـ 161 “. أهـ

والله أعلم.