السؤال:

السلام عليكم ورحمه الله وبركاته، لى سؤالان، وجزاكم الله عنى الف خير، أنا الآن فى عمر 26 ولي مشكلة، أسال الله ان يتوب علي. 1) أنني أمارس العادة السرية بمعدل ثلاثة مرات فى الشهر مع العلم بأنني خاطب وزواجي قريب، إنشاء الله. 2) أحيانا أكون مع خطيبتى، وأحيانا يحصل عناق بيننا، وأحيانا أقبلها، فما رأى الدين في ذلك؟ وجزاكم الله الف خير، وشكرا. الريح عبد الرحمن.

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
بالنسبة للسؤال المتعلق بتقبيل المخطوبة إن حصل عقد شرعي مكتمل الأركان فإن هذه المرأة تعد زوجتك، ولا شيء عليك في تقبيلها أما إذا لم يحصل العقد الشرعي فإن  ما اقترفته يعد أمرا محرما وهو من قبيل مقدمات الزنا ولا يؤمن معه أن يتطور ويحدث جماع ينشأ معه حمل ، وهذا كله نتيجة التسيب والتحلل من شرع الله سبحانه وهذه المرأة المخطوبة ما زالت أجنبية عليك والمفروض أنه لا يرى الخاطب من مخطوبته إلا ما يراه الأجانب من الوجه والكفين ، وما وقعتما في هذا الأمر إلا باستحواذ الشيطان وتزيينه المعصية لكما فعليكما التوبة إلى الله سبحانه وتعالى وعليكما أن تسدا هذا الباب بالتوبة النصوح وبكثرة الاستغفار والتضرع إلى الله ، وعليكم أن تسرعوا بإتمام أمر الزواج حتى ينغلق باب الشيطان.
وهذا الأمر على الرغم من خطره إلا رحمة الله أوسع فعليكم الاستمساك بأوامر الله ، وأن تحرصا على مرضاته سبحانه وتعالى ، وأن تنضبطا بضوابط الشرع .

واعلم أيها السائل الكريم أن الخطبة لا تبيح شيئا للمرأة أو الرجل ولا ترفع عنهم كونهم أجنبيين ، فلا يجوز النظر أو التقبيل أو أي شيء من هذه الأمور المحرمة ، وعليكما التوبة والاستغفار إلى الله تعالى والتوبة إلى الله تعالى ، والله سبحانه وتعالى يقبل التوبة إذا كانت بإخلاص .
يقول الشيخ فيصل مولوي أمين عام الجماعة الإسلامية بلبنان ،والقاضي الشرعي:
الفتاة المسلمة أجنبية غريبة بالنسبة لخاطبها الذي يريد الزواج منها ما لم يتمم إجراء العقد؛ وبالتالي فلا يجوز لها مع هذا الإنسان إلا ما يجوز لها مع غيره: فالخروج مثلاً إذا كان بحضور أحد محارمها ومع المحافظة على حجابها جائز، كما أن أي اتصال بين الخاطبين قبل إتمام عقد الزواج لا يعتبر جائزاً إلا إذا كان منضبطاً بالضوابط الشرعية التي تتعلّق بالتواصل بين المرأة وأي إنسان أجنبي.

إن الخطبة وهي وعد بالزواج لا ترتّب أثراً بين الخاطبين يبيح ما هو محرّم، ولكنها تعتبر مبرراً للتواصل بالهاتف أو بالرسائل أو بالزيارات مع الاحتفاظ بالضوابط الشرعية كما أسلفنا.

والأصل الشرعي في كلّ ذلك أن الخاطبين قبل العقد يعتبران غريبين تماماً، وبعد العقد فقط يعتبران زوجين ويحلّ لهما كلّ الأمور الزوجية التي يحلّها الشرع.
يقول الدكتور عبد الفتاح إدريس ـ أستاذ الفقه ـ جامعة الأزهر:
فلا يحل له أن يختلي بها، أو أن يخرج معها، أو أن يَمَسَّ شيئًا من بدنها، ولو كان عضوًا يجوز له النظر إليه؛ لأنها محرمة عليه قبل العقد عليها، ولم يرد الشرع بغير النظر، فبقي ما عداه على أصل التحريم، ولأنه لا يُؤْمَن مع الخَلْوة بها، أو الخروج معها، أو مس شيء من بدنها من ثوران الشهوة ومواقعة المحظور؛ ولهذا منع الشارع من ذلك كله، وورد هذا المنع في نصوص كثيرة، منها: ما رُوِيَ عن جابر ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: “لا يَخْلُوَنَّ رجل بامرأة ليست منه بمَحرَم؛ فإن الشيطان ثالثهما”، أي يكون معهما في هذه الخَلْوة، يُوَسْوِس لهما بارتكاب المعصية، وما رُوِيَ عن معقل بن يسار أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: “لأن يُطعَن في رأس أحدِكم بمِخْيَط من حديد، خير له من أن يمَسَّ امرأة لا تَحِل له” وما روي عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: “مَن مسَّ كفَّ امرأة ليس منها بسبيل، وضع على كفِّه جمرة يوم القيامة”

والمرأة التي لا تَحِل للَّامس، أو التي لا سبيل له عليها، هي المرأة الأجنبية التي ليست زوجًا له، كتلك التي يَخطُبُها لنفسه ولم يَعقِد عليها بعدُ، فالالتزام بهذا الأدب الإسلامي، ينتهي بالعلاقة بين الخاطب ومخطوبته إلى الغاية التي أرادَها الشارع، من إتمام عقد النكاح بينهما، ودوام العِشْرة، وقيامها على أُسُس من شرع الله سبحانه، بدلًا من سلوك مُعْوَجٍّ قامت عليه هذه العلاقة أسفر عن مفاسد كثيرة، نسمع ونرى ونقرأ عنها، لا تنتهي بهذه العلاقة إلى خير؛ نتيجة لتنكُّب أطرافها الطريق القويم الذي رسمه الإسلام، وانصياعهم لغرائزهم وشهواتهم، فكان مصيرهم البوَار والخُسران المبين. أهـ.
يقول الشيخ القرضاوي:
التوبة لها بواعث ولها موانع، ومن موانع التوبة أن تستحكم الذنوب في حياة الإنسان وتُطبِق عليه، ويشعر باليأس ويقول أنني عشت طول حياتي مرتكباً للمنكرات مقترفاً للكبائر غارقاً في أوحال الذنوب ولو نزلت في المحيط الهادي لن يطهرني، بعض الناس يظن هذا وهذا خطأ من غير شك، ليس هناك ذنب يعظم على عفو الله عز وجل مهما كان،
الله تعالى يقول (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم)) الذنوب جميعاً بالتوبة حتى الشرك حتى الكفر، لأن الإنسان إذا كان مشركاً وكافراً وتاب يتوب الله عليه (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) والله تعالى قال للمؤمنين (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم)، (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين) فالتوبة تجُّب ما قبلها ومنها التوبة من الشرك والتوبة من النفاق والتوبة من الكبائر والتوبة من الصغائر، التوبة من كل ذنب حتى المنافقين ربنا سبحانه وتعالى قال (إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيراً * إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين) ولكن بشرط أن يتوبوا فباب التوبة مفتوح للجميع، كل ما في الأمر أن تكون توبة صادقة توبة خالصة، توبة نصوحاً كما عبر القرآن الكريم لأن بعض الناس يظن التوبة مجرد كلام يُقال وبعض الناس يأتي للمشايخ ويقول له توِّبني يا سيدنا الشيخ.

التوبة لها أركان أو مقومات ولها شروط، وأركان التوبة الأساسية ثلاثة: ركن الندم فمن مقومات التوبة يوجد مقوِّم نفسي وهذا كما قال الإمام الغزالي يتكون من علم وحال وعمل. علم وهو الجانب المعرفي في التوبة الإنسان يعرف خطأه وأنه سلك مع الله سلوكاً غير لائق ويعرف آثار هذه الذنوب وآثار المعاصي في دنياه وفي آخرته وعلى نفسه وعلى صحته وعلى أخلاقه وعلى أسرته وعلى أولاده يعرف هذا ويعرف مقام الله عز وجل ويعرف حاجته إلى التوبة هذا الجانب المعرفي، والجانب المعرفي يترتب عليه جانب وجداني ويسميه الإمام الغزالي الحال وهذا الذي نقول عنه الندم فبعد أن يعرف الإنسان هذا يترتب عليه أن يندم، إذا انتبه القلب إلى آثار المعاصي ندم الإنسان، هذا الندم هو شعور توتر يحس به الإنسان بلذعة تلذع كأنها نار تحرقه احتراق داخلي، ربنا حدثنا عن نفسية التائبين في سورة التوبة فقال (وعلى الثلاثة الذين خُلِّفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا) هذه حالتهم ضاقت عليهم الأرض بما رحبت على سعة الدنيا تهيأ له كأنها أصبحت كرة صغيرة وضاقت عليه نفسه وظن ألا ملجأ من الله .. لابد من هذه الحالة النفسية هذا الشعور بالحسرة والحزن على ما فات وما فرط في جنب الله، هذا الشيء الأول، بعد ذلك يؤثر هذا في ناحية أخرى وهي ناحية العزم والتصميم بالنسبة للمستقبل، ندمت على ما فات لابد من العزم على إصلاح ما هو آت، لا يكفي أن أكون زعلان وحزنان ومتحسر على ما مضى، لابد أن يؤدي هذا إلى أنني لن أعود إلى المعصية أبداً، قالوا: كما لا يعود اللبن إلى الضرع إذا خرج منه، فهو لابد أن يكون ساعة التوبة مصمماً على ألا يعود إلى هذا الذنب أبداً، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى هناك جانب عملي بعد ذلك، بعد الجانب الوجداني والإرادي، يوجد جانب عملي وهو أن يُقلع بالفعل عن المعصية وهذا الجانب العملي له فروع منها أن يستغفر الله تعالى بلسانه: (ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين) ومنها أن يغير البيئة ففي الحديث الصحيح “إن رجلا قتل 99 نفساً وذهب إلى عابد وقال له: أنا قتلت 99 نفساً فهل لي من توبة؟، فقال له: ليس لك من توبة أبداً فقتله وأكمل به 100 نفس، ثم ذهب إلى عالِم فقال له: قتلت مئة نفس فهل لي من توبة؟ قال له: ومن يحول بينك وبين التوبة ولكن اترك البلد التي أنت فيها واذهب إلى بلدة صالحة أخرى” معنى هذا أن الإنسان عليه أن يغير البيئة، الشِلَّة القديمة لابد أن يغير أصحاباً بأصحاب، وإخواناً بإخوان هناك أناس يدعونه إلى الخير إذا رآهم رؤيتهم تدله على الخير، كلامهم يحث على الطاعة، مصاحبتهم تغريه بتقوى الله، فلازم يغير البيئة، ومن ناحية أخرى قال صلى الله عليه وسلم “واتبع السيئة الحسنة تمحها” وكما قال الله تعالى (إن الحسنات يذهبن السيئات) فعليه أن يغير السيئة بحسنة، يبدل السيئة بالحسنة وخصوصاً حسنة من جنسها، فلو كان يعُقُّ والديه فعليه أن يبالغ في برِّهما، كان يقطع أرحامه عليه أن يصل الأرحام، كان يغتاب الناس عليه أن يذكر حسناتهم، كان يقرأ الكتب الغير مفيدة فعليه أن يقرأ كتاب الله ويقرأ الكتب الإسلامية، كان يشتغل مذيع للضلال، عليه أن يشتغل مذيع للصدق وللخير، كان يؤلف كتب تضلِّل الناس عن الله فعليه أن يؤلف كتب ترد الناس إلى الله وتدعو الناس إلى الله، فالسيئة يعمل حسنة من جنسها، فهذه هي أركان ومقومات التوبة، ليست مجرد أن يقول تبت إلى الله ورجعت إلى الله وندمت على معصية الله.

و التوبة سلوك ناتج عن وجدان وعن توتر و عزم يتبعه سلوك، فإذا صدقت التوبة لابد أن يتبعها سلوك ولذلك القرآن يقول (وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى) ويقول (والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاماً * يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً * إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيماً) فلابد من التوبة من تجديد الإيمان فالتوبة تجدد الإيمان لأن الذنوب تخدش الإيمان فلابد أن نرمِّم هذا الإيمان بالتوبة وهو إيمان يتبعه عمل للصالحات.

والله أعلم.