السؤال:

نحن جمعية خيرية إسلامية تعمل لخدمة المجتمع في مجالات شتى، ومنها إعانة الفقراء والمحتاجين عن طريق جمع الزكاة وغيرها من الصدقات والوصايا. وقد تجتمع عندنا من أموال الزكاة والصدقات عدة ملايين، وقد فكرنا أن نستثمر هذه الأموال في مشروعات اقتصادية استثمارية كالعقارات السكنية، أو إقامة بعض المصانع المنتجة ونحو ذلك، فهل يجوز لنا أن نستثمر أموال الزكاة بهذه الطريقة، وبالطبع فإن ما يأتي من دخل هذه الاستثمارات سيصرف للفقراء والمساكين والغارمين وسائر المستحقين للزكاة؟ وخصوصًا أننا حين نجمع أموال الزكاة لا نصرفها كلها في الحال على مستحقيها، بل تبقى عندنا وقتًا، حتى نوصلها إلى أهلها، فقد يستمر بقاؤها عندنا أشهرًا. أفتونا أثابكم الله تعالى ونفع بكم أمة الإسلام.

الجواب:

فرض الله الزكاة على كل من يملك نصابها من المسلمين، وجعلها شعيرة من شعائر دينه الكبرى، وركنًا من أركان الإسلام العظام، وجعلها حقًا معلومًا لأهلها الذين حدّدهم ونص على أصنافهم في كتابه في قوله تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) التوبة: 60
وكان فرض الزكاة لإشباع حاجات ناجزة، وتحقيق أهداف عاجلة، ولهذا أوجب الشرع صرفها في الحال، ولم يجز تأخيرها لغير عذر، لسد حاجات الفقراء والمساكين، وإعطاء أجرة العاملين عليها، وتأليف القلوب على الإسلام، وتحرير الرقاب، وقضاء ديون الغارمين، وإعلاء كلمة الإسلام، وإعانة أبناء السبيل والمشردين. وكلها حاجات ناجزة لا تحتمل التأخير، وكلما سارعنا في تحقيقها كان أفضل بلا ريب.
ولهذا.. أجمع العلماء على أن صرف الزكاة فوري، ولا يجوز تأخيره عمدًا، بغير عذر ولا سبب.
والمقصود من دفع الزكاة وتعجيلها: وصولها إلى الفقراء والمستحقين في الحال، ليقضوا بها حاجاتهم، ويحققوا أغراضهم.
ولهذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- وخلفاؤه الراشدون يبعثون عمالهم وسعاتهم، ليأخذوا الزكاة من أرباب الأموال، ليوزعوها على المستحقين، لا يتأخرون ولا يتباطؤون. كما بعث الرسول معاذ بن جبل إلى اليمن، وقال له: “أخبرهم أن الله افترض عليهم في أموالهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم لترد على فقرائهم” فكان معاذ يأخذها من الأغنياء، ويردها على الفقراء.
و(بيت المال) ليس إلا واسطة بين الأغنياء والفقراء، فهو مؤسسة تقوم بالوكالة عن أهل الاستحقاق للزكاة، ولا تملك هذه الأموال، ولهذا قالوا: لا زكاة على بيت المال، لأن الزكاة فرع عن الملك، وهو غير مالك، لأن المال الذي فيه لأهله.
وورد عن الخلفاء الراشدين أنهم لم يكونوا يبقون في بيت المال شيئًا.
ومن هنا نرى أن استثمار أموال الزكاة يؤخر وصولها إليهم، ويحرمهم ثمرة الانتفاع بها في الحال، ويحوِّل مال الزكاة إلى (وقف) يحبس أصله، وتسبل ثمرته. وهذا لا يجوز يقينًا. لأننا إذا حصلنا (1000) دينار زكاة، فالواجب أن نوصلها للفقراء والمستحقين في الحال ألفًا كما أخذناها.
ولكن إذا استثمرناها خالفنا ذلك في أمرين:
الأول: أننا لا نعطي الفقير حقه في الحال، ولكن بعد أن نستثمر الألف، أي بعد سنة في الغالب.
والثاني: أننا بعد سنة لا نعطيه ألفًا، بل تعطيه مائة أو أقل من مائة، كما هو شأن الاستثمار الآن، أي نحو ستين أو خمسين.
وبهذا ظلمنا الفقراء والمساكين والمستحقين مرتين؛ مرة في تأخير الصرف، ومرة أخرى في تقليل المصروف إلى العشر أو أقل من العشر. وهذا كله لا يجوز.
كل ما يمكن أن نجوزه في هذه الحالة: ما أفتيت به للهيئة الخيرية الإسلامية العالمية في الكويت، ولعدد من الجمعيات الخيرية ولهيئات الإغاثة الإسلامية في عدد من الأقطار، الذين تجتمع عندهم مبالغ كبيرة تقدر بالملايين وعشرات الملايين، ولا يمكنهم أن يصرفوها في الحال، بل لا بد أن يمر عليها وقت عندهم حتى تصل إلى مستحقيها في البلدان المختلفة.
فهؤلاء أفتيتهم بجواز استثمار هذه المبالغ في معاملات قصيرة الأجل، على أن تكون -وإن لم تكن مضمونة- ليس فيها مخاطرة في العادة، مثل كثير من معاملات البنوك الإسلامية في الوقت الحاضر. على ألا تتجاوز مدة الاستثمار السنة بحال من الأحوال.
ويجب على المسؤولين عن الجمعيات الخيرية والهيئات الإغاثية ما استطاعوا: المبادرة إلى صرف ما تجمَّع لديهم من أموال الزكاة إلى أهلها، فما أكثر المحتاجين في عالمنا الإسلامي، من الجائعين الذين يحتاجون إلى الغذاء، والعرايا الذين يحتاجون إلى الكساء، والمرضى الذين يحتاجون إلى الدواء، والمشردين الذين يحتاجون إلى الإيواء، والعاطلين الذين يحتاجون إلى العمل، واليتامى الذين يحتاجون إلى الكفالة، والأميّين الذين يحتاجون إلى التعلم، والعزاب الذين يحتاجون إلى الزواج، والمعوقين الذين يحتاجون إلى الرعاية، والعجزة والمسنين الذين يحتاجون إلى البر والكفاية.. وغيرهم وغيرهم، من ذوي الحاجات التي تستوجب أن تشبع اليوم قبل الغد، فلا يجوز أن تؤخر استحقاقاتهم عنهم إلا لعذر.
أما الأموال التي يجوز استثمارها فهي أموال (الصدقات التطوعية) من غير الزكاة، و(الصدقات الجارية)، وبعبارة أخرى: أموال (الوقف) التي يحبسها أصحابها للبر والخير، وأموال (الوصايا) التي يوصى بها أهل الخير من ثلث التركة أو ما دون الثلث، لينفق ريعها وعوائدها في سبيل الله وعلى المساكين وابن السبيل.
ومثل ذلك: الأموال التي اكتسبت من حرام أو كان في كسبها شبهة، فمصرف هذه الأموال هو الفقراء وجهات الخير، فلا ريب يجوز استثمارها، لتصرف عوائدها، فيما يعود على الأمة بالخير.

والحمد لله أولا وآخرا