السؤال:

ما حكم الدين في نقل الأعضاء ؟ وما حكم نقلها من الميت ؟ وهل يجوز أن يُؤْخَذ عِوَض للعضو المنقول؟

الجواب:

بسم الله ، والحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد :

نقل الأعضاء من الميت جائزة بشرط إذنه بذلك قبل وفاته ، أما نقل الأعضاء من الحي فإن أدت إلى هلاكه حرم ، والحكم في إمكانية الهلاك وعدمه يَرْجِع إلى المُخْتَصِّين ، وأن يكون هناك يَقِين بانتفاع المنقول إليه بهذه الأجزاء ، ولا يجوز أخذ العوض عن العضو المنقول .

 

يقول الشيخ جاد الحق علي جاد الحق شيخ الأزهر السابق –رحمه الله-في كتاب “بيان للناس” :

اختلفت آراء الفقهاء ورجال القانون في هذا الموضوع، وبعد استعراض أدلتهم وما جاء في كتب الفقه نرى ما يأتي:

أولاً: إذا كان المنقول منه ميتًا، فإن كان قد أوصى أو أَذِن قبل وفاته بهذا النقل فلا مانع من ذلك حيث لا يُوجَد دليل يُعْتَمَد عليه في التحريم، وكرامة أجزاء الميت لا تمنع من انتفاع الحي بها، تقديمًا للأهم على المهم، والضرورات تُبِيح المحظورات كما هو مُقَرَّر، “راجع حكم التشريح”.

وإن لم يُوصِ أو لم يَأْذَن قبل موته، فإن أَذِن أولياؤه جاز، وإن لم يَأْذَنُوا قيل بالمَنْع وقيل بالجواز، ولا شكَّ أن الضرورة في إنقاذ الحي تُبيح المحظور. وهذا النقل لا يُصار إليه إلا للضرورة.

 

ثانيًا: إذا كان المنقول منه حيًّا ، فإن كان الجزء المنقول يُفْضِي إلى موته مِثْل القلب كان النقل حرامًا مطلقًا، أي سواء أَذِن فيه أم لم يَأْذَن؛ لأنه إن أَذِن كان انتحارًا، وإن لم يأذن كان قتلاً لنفس بغير حق، وكلاهما مُحَرَّم كما هو معروف.

وإن لم يكن الجزء المنقول مُفْضِيًا إلى موته، على معنى أنه يُمكن أن يعيش بدونه فيُنْظَر: إن كان فيه تعطيل له عن واجب، أو إعانة على مُحَرَّم كان حرامًا، وذلك كاليدين معا أو الرِّجْلين معًا، بحيث يَعجَز عن كسْب عيشه أو يسلك سبُلًا غير مشروعة. وفي هذه الحالة يستوي في الحُرْمة الإذن وعدم الإذن.

 

وإن لم يكن فيه ذلك كنقل إحدى الكليتين أو العينين أو الأسنان أو بعض الدم، فإن كان النقل بغير إذنه حُرِّم، ووجب فيه العِوَض، على ما هو مُفَصَّل في كتُب الفقه في الجناية على النفس والأعضاء، وإن كان بإذنه قال جماعة بالتحريم، واحتج بعضُهم عليه بكرامة الآدمي التي تتنافَى مع انتفاع الغير بأجزائه، وبأن ما يُقْطَع منه يجب دفنُه.

 

يقول النووي في حُرْمة وَصْل الشعر بشعر الآدمي: ولأنه يَحْرُم الانتفاع بشعر الآدمي وسائر أجزائه لكرامته، بل يُدْفَن شعره وظُفُره وسائر أجزائه (المجموع ج 3 ص 149، شرح مسلم ج 14 ص 103)

ويُمكن الرد على ذلك بأن وَصْل الشعر بالشعر مُخْتَلَف في حُرْمَته إذا كان لغير الغش والتدليس أو الفتنة، وبأن وُجوب دفنه ليس عليه دليل صحيح، قال ابن حجر: وفي حديث معاوية جواز إبقاء الشعر وعدم وُجوب دَفْنِه (فتح الباري ج 12 ص 497)، وبأن الضرورات تُبيح المحظورات.

 

واحتج بعض هؤلاء المُحَرِّمين ـ أيضًاـ بأن جسم الإنسان ليس مِلْكًا له، فلا يجوز التصرف فيه. وهذا كلام غير مُحَرَّر، وليس عليه دليل مُسَلَّم. فإن الذي لا يَمْلِكه الإنسان هو حياته ورُوحه، فلا يجوز الانتحار ولا إلقاء النفس في التَّهْلُكة إلا للضرورة القُصْوَى وهي الجهاد والدفاع عن النفس فقد أمر به الإسلام، أما الإنسان من حيث أجزاؤه المادية فهو مالكها، له أن يتصرف فيها بما لا يَضُرُّه ضررًا لا يُحْتَمَل، فالإسلام لا ضرَر فيه ولا ضِرَار.

 

هذا هو مُلَخَّص الحكم في الموضوع. على أن الحكم في بَقاء الجسم وعدمه بعد نقل العضو منه يُرْجَع إلى الثقات المُخْتَصِّين. وعلى أن يكون هناك يَقِين أو ظنٌّ غالب بانتفاع المنقول إليه بهذه الأجزاء، وإلا كان النقل عبَثًا وإيلامًا لغير حاجة، ونحن نعلم أن بعض الأجسام تَرْفُض الأجزاء المنقولة إليها، ويُحاول العلم أن يتغلَّب على هذا الرفض، بالمنع أو الحدِّ منه.

 

وإذا كنَّا نختار جواز النقل للأعضاء فهل يجوز أن يُؤْخَذ عِوَض للعضو المنقول؟

يرى جماعة عدم جوازه، مُحْتَجِّين بحُرْمَة بَيْع الآدمي الحر، كله أو بعضه، لحديث: “قال الله ـ تعالى ـ: ثلاثة أنا خَصْمُهم يوم القيامة، ومَن كنتُ خصمَه خَصَمْتُه: رجل أعطى بي ثم غدَر، ورجل باع حرًّا وأكل ثمنَه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى ولم يُوفِه” (رواه البخاري وغيره) .

 

ويرى آخرون جواز أخذ العِوَض كثمن أو هبة، قياسًا على بَيْع المُرْضِع لبنَها، ولعدم ورود دليل يُحَرِّمُه، والحديث المذكور هو للنهي عن ضَرْب الرق على غير الرقيق والاتِّجار فيه بالبيع كما كان يحصُل في الجاهلية من خَطْف الأحرار وبيعهم. وهل لو كان المنقول منه عبدًا وباع عضوًا منه لآخر هل يأخذ سيدُه ثمنَه بِناءً على أنه يملِك رقبتَه؟ والحديث في بيع الحر وليس في بيع العبد، كما أن الذي يأكل ثمن الحر هو مَن اعتبَدَه وباعَه وليس هو الحر نفسه الذي يأكل ثمنَه، بالاستدلال بالحديث المذكور غير مُسَلَّم.

 

ومهما يكن من شيء فإن الأفضل عدم المُساوَمَة على العضو المنقول؛ فإن إنقاذ حياة المحتاج إليه لا يَعْدِله أي عِوَض، لكن لا مانع من قَبُول الهدية التي تُعْطَى بسخاء نفس دون شرط سابق (الإسلام ومشاكل الحياة ص 212).

 

هذا، وقد ورد إلى دار الإفتاء المصرية سؤال عن التبرُّع بالأعضاء بعد الموت لخدمة المرضى المُحتاجين، وجاء الرد المؤرخ في 5 من ديسمبر سنة 1979م (الفتاوى الإسلامية ـ المجلد العاشر ص 3702، والمفتي الشيخ جاد الحق علي جاد الحق) ما نصه: والذي أختاره أن كل إنسان صاحب إرادة فيما يتعلَّق بشخصه، وإن كانت إرادة مُقَيَّدة بالنِّطاق المُسْتَفاد من قول الله ـ تعالى ـ في سورة البقرة من الآية رقم 195: (… وَلَا تُلْقُوا بأيدِيكم إلى التهلُكَةِ وأحْسِنُوا إنَّ اللهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ) وقوله ـ سبحانه ـ في الآية رقم 29 من سورة النساء: (وَلَا تَقْتُلُوا أنفُسَكُمْ إنَّ اللهَ كانَ بِكُمْ رَحِيمًا).

يدل لذلك ما ساقَه الفقهاء من نصوص في شأن الجهاد بالنفس وتعريضها بذلك للقتل، وما أوجبَه الإسلام في شأن إنقاذ الغَرْقى والحَرْقى والهَدْمَى، مع ما قد يترتَّب على ذلك من هلاك المُجاهد أو المُنْقِذ.

 

فإذا جزم طبيب مسلم ذو خِبْرة، أو غير مسلم كما هو مذهب الإمام مالك، بأن شق أي جزء من جسم الإنسان الحي بإذنه وأخذ عضو منه أو بعضه لنقله إلى جسم إنسان حي آخر لعلاجه، إذا جَزَم أن هذا لا يَضُرُّ بالمأخوذ منه أصلًا؛ إذ الضرر لا يُزال بالضرر، ويفيد المنقول إليه ـ جاز هذا شرعًا، بشرط ألا يكون الجزء المنقول على سبيل البيع أو بمقابل؛ لأن بيع الإنسان الحر أو بعضه باطل شرعًا.

 

ثم تحدَّث عن كرامة الإنسان حيًّا أو مَيِّتًا، بحِفْظ حياته، وبتَكْفِينِه ودَفْنِه وتحريم نبش القبور إلا لضرورة، وعدم كسر عظْمِه ميتًا أو حيًّا، ونقَل بعد ذلك ما قاله فقهاء أهل السنة الأربعة، وما قاله الزيدية والإمامية من الشيعة في شَقِّ بطن الميت لإخراج الجنين أو المال. وما اختاره من الجواز، ثم تحدَّث عن آرائهم في طهارة الجزء المفصول من الإنسان الحي، وانتهى إلى طهارته، وعند الكلام على نقل جزء من إنسان لآخر، أورد أقوال المذاهب الأربعة في علاج سقوط السن، وكسر العظم، بسن حيوان وعظمه إن كانا طاهرين أو نَجِسين، أو علاجهما بالذهب والفضة، كما أورد أقوالهم في أكل الإنسان لجزء منه أو من إنسان آخر.

 

وخلُص فيما خلُص إلى جواز جبْر الكسر في عظم الإنسان بعظم طاهر، لا بنجس إلا عند الضرورة، وذلك عند المالكية والشافعية والحنابلة، وكذلك رد السن الساقطة إلى مكانها وربطها بالفضة أو الذهب، واستبدالِها بسن حيوان مُذَكًّى. كما خلُص إلى جواز أكل لحم الإنسان الميت عند الاضطرار، عند الشافعية والزيدية وفي قول للمالكية والحنابلة، وجواز نقل جزء من الميت إلى الحي الذي يَغْلِب على ظن الطبيب استفادتُه منه. أما نقل جزء من حي إلى حي فهو جائز بشرطين: ألا يترتَّب على اقتطاعه ضرَر بأصله، وأن يَغْلِب على الظن استفادة الآخر منه، ومثل ذلك نقل الدم.

 

تَتِمَّة:

جاء في الفتوى السابقة “ص 3714 ج 10 من الفتاوى الإسلامية”: أنه لا يجوز قطع عضو من الميت لزَرْعه في جسم حي إلا إذا تحقَّقت وفاتُه. والموت ـ كما جرى بيانُه في كتب الفقه ـ هو زوال الحياة، وعلامتُه إشخاص البصر، وأن تَسْتَرْخِي القدَمان، ويَنْعَوِج الأنف، ويَنْخَسِف الصُّدْغان، وتمتد جِلْدة الوجه فتخلو من الانكماش.

 

وفي نِطاق هذا يجوز اعتبار الإنسان ميتًا متى زالت مظاهر الحياة منه، وبدت هذه العلامات الجسدية، وليس ما يَمْنَع من استعمال أدوات طبية للتحقق من موت الجهاز العصبي، لكن ليس هذا وحدَه آية الموت بمعنى زوال الحياة، بل إن استمرار التنفُّس وعمل القلب والنبض وكل أولئك دليل على الحياة، وإن دلت الأجهزة الطبية على فُقدان الجهاز العصبي لخواصِّه الوظيفية، فإن الإنسان لا يُعْتَبَر ميتًا بتوقُّف الحياة في بعض أجزائه، بل يُعْتَبَر كذلك شرعًا وتترتَّب آثار الوفاة مِن تحقُّق موته كليةً، فلا تبقى فيه حياة ما؛ لأن الموت زوال الحياة.

 

ويُمْتَنَع تعذيب المريض المُحْتَضَر باستعمال أية أدوات أو أدوية متى بانَ للطبيب أن هذا كله لا جدوى منه، وأن الحياة في البدن في سبيل التوقُّف، وعلى هذا فلا إثم إذا أُوقِفَت الأجهزة التي تُساعد على التنفُّس وعلى النبض متى بانَ للمختصِّ القائم بالعلاج أن حالة المُحْتَضِر ذاهبة به إلى الموت.

والله أعلم .

وللمزيد يمكن مطالعة الرابط التالي :

قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي في نقل الأعضاء