السؤال:

ما حكم تفضيل بعض الأولاد على بعض في العطايا والهبات ؟ وكيف توزع الهبة إذا كان الأولاد ذكورا وإناثا ؟

الجواب:

بسم الله ، والحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد :

الراجح من مذاهب الفقهاء وجوب التسوية بين الأولاد في العطية وحرمة المفاضلة بينهم فيها ، إلا لحاجة الفاضل لمعنًى فيه لا يوجد في غيره من سائر المفضولين.

يقول الأستاذ الدكتور عبد الفتاح إدريس أستاذ الفقه المقارن بكلية الشريعة جامعة الأزهر :

يَختص بعض الناس بعضَ أولادهم بعطاياهم وهِبَاتِهم دون سائر أولادهم، أو يَختصون بعض أولادهم بهبات أكثَرَ مما تُعطَى لسائرهم، أو يُعطُون الذكور منها دون الإناث، أو نحو هذا مما يُفعل الآن لأسباب يراها بعض الآباء جديرةً بهذا التميز في العطية؛ كبِرِّ الولد بوالدَيه، أو حسن تدبيره، أو استقامته، أو حسن خلقه، أو قيامه ببعض أعباء والدَيه، أو نحو هذا.

وليس ثَمّةَ خلافٌ بين العلماء على استحباب التسوية بين الأولاد في الهبات والعطايا، حتى في التقبيل. ومذهب الحنابلة وطاووس وعبد الله بن المبارك وجوبُ التسوية بين الأولاد في العطية وحرمةُ المفاضلة بينهم فيه، فمن فاضَلَ بينهم أثِمَ، ووجَب عليه التسوية؛ إما بردِّ ما فضَّل به البعضَ وإما بإتمام نصيب المفضول، وذلك لما رُوي عن النعمان بن بشير أنه قال: تَصدَّقَ عليَّ أبي ببعض ماله، فقالت أمي عَمرة بنت رَوَاحة: لا أَرْضَى حتى تُشهد عليها رسولَ الله صلى الله عليه وسلم. فجاء أبي إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليُشهده على الصدقة، فقال: “أكُلَّ ولدِك أعطيتَ مثلَه؟” قال: لا. قال: “فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم”. وفي رواية: “فاردُدْه”. وفي أخرى: “لا تُشهدْني على جَور”. وفي لفظ: “فأَشهِدْ على هذا غيري”. وفي لفظ: “أتحب أن يكونوا لك في البر سواء؟” قال: نعم. قال: “فَسَوِّ بينهم إذًا”. وهذا كله يدل على تحريم التفضيل بين الأولاد في العطية؛ لأنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ سماه جَورًا، وأمر برده، وامتنع من الشهادة عليه، والجَور حرام، والأمر بالتسوية بينهم في ذلك يَقتضي وجوبَها، ولأن تفضيل بعضهم في العطية يورث بينهم العداوة والبغضاء وقطيعة الرحم، وذلك محرم.

إلا أن الحنابلة يَرَونَ جوازَ تفضيل بعض الأولاد على بعض في العطية إذا كان بالفاضل ما يقتضي هذا التفضيل؛ كأن كان في حاجة إلى المال لعلاج مرض أصابه، أو لإتمام تعليمه، أو للإنفاق على أولاده إذا كانت تثقُل عليه نفقتُهم، أو لفقره، أو نحو ذلك. أو كان بالمفضول في العطية ما يَقتضي صَرْفَها عنه، كأن كان سفيهًا، أو فاسقًا، أو مبتدعًا، أو يستعين بالعطية على معصية الله ـ تعالى ـ أو ينفقها في غير وجهها المشروع، لما رُوي أن أبا بكر اختَصَّ ابنته عائشة دون سائر ولده بجُذَاذ عشرين وَسْقًا من التمر.

ومذهب جمهور الفقهاء ـ شُريح، وجابر بن زيد، والحسن بن صالح، والثوريّ، والحنفية، والمالكية، والليث بن سعد، والشافعية ـ جوازُ تفضيل بعض الأولاد على بعض في العطية مطلقًا؛ لاختصاص أبي بكر ابنتَه عائشةَ بالعطية المذكورة آنفًا دون سائر ولده.

إلا أن ما فعله أبو بكر من اختصاصه عائشةَ بهذه العطية هو فعل صحابيّ، ينبغي حمله على ما لا يتعارض مع حديث النعمان بن بشير السابق، إذ يَحتمل أنه اختَصّها بذلك لحاجتها وعجزها عن الكسب أو التسبب فيه، مع اختصاصها بفضلها وكونها أم المؤمنين زوج رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وغير ذلك من فضائلها، ويَحتمل أن يكون قد منحها هذه العطية ومنَح غيرَها، أو منَحها ذلك وأراد أن يَمنح غيرَها بالمثل فأدرَكه الموت قبله.

ولهذا فإن الراجح من مذاهب الفقهاء ما ذهب إليه الحنابلة ومن معهم، من وجوب التسوية بين الأولاد في العطية وحرمة المفاضلة بينهم فيها، إلا لحاجة الفاضل لمعنًى فيه لا يوجد في غيره من سائر المفضولين.

والتسوية بين الأولاد في العطية لها مدلول اختلَف الفقهاء فيه؛ فيرى ابن المبارك والحنفية والمالكية والشافعية أن يُعطَى للذكر من العطية مثل ما تُعطَى الأنثى، لأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال لبشير بن سعد والد النعمان: “سَوِّ بينهم” وعلَّل ذلك بقوله: “أيسُرُّك أن يَستوُوا في بِرِّك؟” قال: نعم. قال: “فسَوِّ بينهم”. والبنت كالابن في استحقاق برِّها وكذا عطيتها. ورُوي عن ابن عباس أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: “سَوَّوا بين أولادكم في العطية، ولو كنت مُؤثِرًا لآثَرتُ النساء على الرجال”.

ويرى عطاء، وشريح، وإسحاق، ومحمد بن الحسن أن التسوية بين الأولاد في العطية تقتضي أن تُقسَم العطية قسمةَ المواريث؛ للذكر مثل حظ الأنثيين، لأن هذه العطية تتم في حال حياة المُعطِي، فتُشبه العطية منه بعد موته في الميراث.

إلا أن جَعْلَ التسوية بين الأولاد في العطية وَفقًا لهذا المعنى الأخير لا يَظهر من مدلول لفظ التسوية في اللغة، ولا يدل عليه حديث النعمان بن بشير الذي أُطلقت فيه التسوية، ولأن إعطاء الذكرِ من هذه العطية ضعفَ ما تُعطَى الأنثى لا يتحقق معه التسوية بينهم فيها، بل هو الظلم بعينه الذي حَدَا برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى الامتناع من الشهادة على عطية بشير بن سعد لابنه النعمان. والأَولَى أن تُقاس التسوية بين الأولاد في العطية على التسوية بينهم في النفقة؛ لأن كلاًّ منها عطية من الأب في حال الحياة، والتسوية بينهم على هذا النحو أدعَى إلى نزع الغل والبغضاء بين الأولاد، وأدعَى إلى أن يكونوا في بِرِّ والدهم أو والدتهم سواء.

والله أعلم .